تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

صدمة موقظة!


صدمة موقظة!



على الطريق المعتاد من الجامعة الذي أصبح جزئا من قدميها ولم تعد تحتاج إلى التفكير فيه ,
كالعادة تشعر لينا أنه لابد لها من التفكير في شيء فبعد كل شيء هي طالبة طب!
نعم سأفكر بجلسة التشريح العملي التي خرجت منها للتو...
لينا وإن كانت لا تحب مادة التشريح , فهي تحاول كالعادة تحوير تفكيرها عن الصور المترامية على جدار الطريق, التي زرعتها الأيد الخفية معلنة: نحن نملك القرار! , وتلك التي مزقتها أيد خفية أخرى معلنة : أنتم لا تملكون الجدار.
وقبل أن تبدأ حتى بتعداد فروع العصب السدادي, يتحول تفكيرها إلى مستقبلها ..
-يالهذا الرأس , كل مرة يعيدني إلى هذه الفكرة , أما آن أدرك أنه حتى أعرف العرافات ستعجز عن رؤية هذا المستقبل ..
كيف لها أن ترغب بالتفكير بهذا المستقبل وهي في كل صباح تستيقظ على أصوات تعلن لها الحقيقة الأزلية التي هي واحدة في كل مكان, ولكنها في هذه المدينة وفي هذا الفترة تحمل معنا آخر, حقيقة أنها لا تستطيع أن تعلم ما إن كانت ستبقى على قيد الحياة ليوم غد حتى تخطط لهذا المستقبل!
لقد اجتازت الحديقة التي قضت فيها أياما من طفولتها, و اقتربت من السوق الذي تعبره كل يوم لتصل إلى منزلها, وهي تعرف ما يعني ذلك,كما اعتادت لمدة عامين تمد يدها إلى حقيبتها لتخرج 50 ليرة,
هي لا زالت تذكر حين كانت هذه الـ50 تشتري لها سندويشة الهمبرجر التي يبيعها اليوم جارهم بـ 50 شريطة أن تضيف لها 200 , ولكنها على كل حال لاتريد أن تشتري سندويشة ,فهي تريد أن تحافظ على وزنها إن كان ستنتزوج إلى الخارج !
نعم إن عائلتها لا تستطيع أن تتقبل ولو للحظة أن تسافر ابنتها للخارج دون زوج,ربما هي أيضا لا تستطيع أن تتقبل ذلك , وإن كانت أحيانا تميل لقبوله,
-معهم حق بلاد الغربة مكان خطر! -يقاطعها صوت انفجار من بعيد, وتتجاهله كما اعتاد سكان المدينة- والمرأة بحاجة لرجل!, بذكر قصة ابنة جارتنا التي سافرت وبعد بضعة أشهر نسيت دينها وأخلاقها و خلعت حجابها!, كيف بدها تتزوج اليوم, مين بيرضا ياخدها !كيف بدها تقابل ربها!... الله يهديها أحسن شي.
تتذكر للحظة أنها كل يوم تفكر حول هذا الموضوع بشكل مختلف تماما و تتجاهله مجددا...
هاقد اقتربت ... تفكر الآن بما ستشتريه لها هذه الـ50 , فما تريده من هذه ال50 تعجز عن شرائه في أي دكان ..
في كل يوم تتخيل لينا قصة جديدة لهذا الرجل , مرة تتخيل أنه فقد ساقه أثناء سيره إلى عمله إثر سقوط قذيفة, في أخرى تتخيل أنه فقداها جراء إطلاق نار, و مرات أخرى تتدخل طالبة الطب فيها لتقول أنه عانى من القدم السكرية وتم بترها جراء ذلك, ثم تفكر أن الأمر سيان ,هو محتاج وتعطيه ال50 ليرة, وتتابع راضية أنها لم تخبر أحدا يوما بما تعطيه, وأنها تتجنب حتى أن تشعره بأي إحراج أنها تعطيه نقودا.
ففتتجنب حتى أن تحدثه أو تنظر إليه لكي لا يحرج منها.
وكل يوم بعد إعطائه ينتابها شعور مختلط, شيئٌ من الرضى عن نفسها لأنها تفكر فيه وتعطيه نقوداً,وشيءٌ من الحزن لأنها تسمع في صوته كل يوم أنه يعاني..
في الحقيقة لم تفكر في أي يوم أي الشعورين أكبر ..ولم ترغب يوما أن تفكر .. لكن اليوم الأمر قد اختلف ..
فما رأته لم تتكن تتوقع أن تراه...
لقد كان وقعه عليها كشيء من الصدمة .. توقفت في مكانها ! تلاشى كل شعور بالرضى و كل شعور بالحزن !
وتحول شعورها إلى مزيج من السرور , و الحماقة ..
الحماقة شعور لم تقبله يوما , و لم تعرفه يوما , فمنذ طفولتها وهي لم تسمع سوى وصف الذكاء والطيبة يوجه إليها.
شاب و شابة يرتديان سترة موسومة بشعار أحد الجمعيات يتقدمان نحو الرجل, الفتاة تجر كرسيا متحرك و الشاب يحمل ماكينة خياطة مربوطةً بشريط أحمر! يُجلِسان الرجل على الكرسي المتحرك , وبعد بضع كلمات منهما وإيماءة من الرجل بالموافقة يجر الشاب الرجل بالكرسي و يتابعان طريقهما مع ضيفهما الجديد.
تنظر لينا إلى 50 ليرة . يسترجع رأسها الفترة التي أعطت فيها هذا الرجل,و يجري الحساب 50 *600 , يخزن اسم الجمعية في ذاكرتها .

لك الحمد ربي ..

by
ابق على تواصل مع حكيم!
Google+