تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

بوابة المغادرة


بوابة المغادرة

يحار المرء و هو ينظر إلى هذا الخليط البشري المتعدد ينتظر بصبر لدى سفارة امبراطورية القرن ... ليهيم بمشاعر شديدة الحزن مع تفاعلات مفعمة بالحياة ... ويعجب و قد وصل حال ملوك الدنيا في الماضي إلى ما وصلوا إليه ... العرب .. تلك المجموعة البشرية الأكثر امتدادا بين مجموعات البشر ... باتت محط اتهام الجميع ... و تهكم الجميع ... فمن اتهام بقيادة عمليات تخريب الذات و الحضارة و البشر ... إلى اتهام سفهاء الخليج بأفعال مشينة ساقطة كلما أتيحت لهم الفرصة ... إلى اتهام نساء العرب بعفتهن الزائدة و حيائهن المحجوب ... إلى غيرها من التهم الجاهزة و المعدّة مسبقاً من شياطين الغرب و حقرائه ... و للأسف الشديد فهو واقع حقيقي من الظاهر ... و انعكاس نهائي لصورة حياة العربي في القرن الحالي ...
فإن شاء هذا العربي الأصيل أن يتنكر لأصله و يتجنب اتهاماته ... لاحقه لونه الأسمر و سحنته الشرق أوسطية ... و إن حاول -جهلاً- إقناع الآخر 'بتحرره' ... لم ينل من الآخر إلا مزيداً من التهكم و الاحتقار ... فإن تصادق مع امرأة غربية بكل 'تحرر' ... لذعته تعليقاتها الشيطانية عنه و عن أمثاله من 'المتحررين' .. و إن خرج في حفلات مجونهم الغريبة .. ابتسمت له فتيات يعلمن كيف يكسبن منه بدهاء ماله و عفته عبر عقله و قلبه ... و إن سافر عبر مطارات العالم لاحقته -بطبيعة الحال- تهمة التآمر و الإرهاب ... و إن مر عبر نوافذ الأمن عادت إلى مخيلته أحداث العالم المأساوية و عناصرها متمثلة في ذهنه بذاته .. و هكذا بات العربي الشهم الأصيل مطارداً في بلاد الحضارة ... بشكل مباشر أو غير مباشر .. و شاء هو أم أبى ... و لن يشفع له جواز السفر الأحمر أو الأزرق ... فجلدته ... و اسمه ... و لهجته ... و انفعالاته .. هي هويته المعبِّرة ... و جواز سفره الحقيقي ...
لكن القصة لا تنتهي ها هنا .. فعلى الشاطئ المقابل يقف ذاك العربي الأصيل على حصانه الممشوق ... راسخاً في حضارة انطلقت من قلب الصحراء لتسطر أروع نموذج لتبنّي حضارة جديدة من ملايين البشر على أجيال متعاقبة ... و يقف ... و قد رفع رأسه و حُقَّ له ذلك بإنجازاته و إنجازات عقول أبنائه في بلادهم و خارجها ... و يقف ... و هو يعلم يقيناً أن لا شهامة و لا كرم و لا إباء يعادل ما يملكه أخ عربي حقيقي في الوطن و الغربة ... و يقف أخيراً ... و هو فخور بأمٍّ حنون متفانية ... و أبٍ مسؤول تَعِبٍ على لقمة أبنائه ... و زوجة رقيقة متفانية هي توأم الروح ... و حضن الولد ... و الرفيق في معترك الحياة ... و الحفيظ إذا سرقت مصاعب الحياة الوقتَ كلَّه ... و على أسس راسخة كهذه تركع حضارة حديثة كتلك ... بأنانيتها ... و احتقارها للآخر ... و افتقادها لوضوح اليقين و روعة الامتثال ... و فقدانها أولاً و أخيراً لروح الإيمان و سموّه و تنوّعه ليشمل البشر كل البشر ...
و باختيار المرء لذاته ... تتحدد وجهة الحياة و مجراها ... و يتحدد افتخار المرء أو احتقاره لوجوده ... و يسمو المرء بعمله و خدمته لوطنه و أبناء بشرته ... أو يبقى غريباً وحيداً بين ثنايا حضارة متغوّلة لن تعطيه إلا بعد أن تمتص منه جوهرة يقينه ... و فرائد فكره ... و إلا بأن يصبح جزءاً ثابتاً (مهما كان أساسياً) من آلة جبارة تطحن أعمار أبناء غيرها ليقتات عاطليها و مشرديها من عرق هؤلاء و تعبهم ... باسم الحرية ... و المساواة ... و الحضارة ... و الاستقلالية ...

د. عبد الله الجباوي's picture
by
أستاذ مساعد
ابق على تواصل مع حكيم!
Google+