تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

عبد الله ، و المعاناة المنسيّة ...


عبد الله ، و المعاناة المنسيّة ...

لم تكن إلا ليلةً عاديةً من ليالي تشرين الخريفية ، إلّا أنها كانت أشد برودة من سابقاتها.. أو لعلها لم تكن ليلةً عادية؟

السماء شديدة الصفاء ، و القمر بدا أكبر و أقرب إلى الأرض على غير المعتاد .. متكوراً على نفسه تحت الشجرة كان (عبد الله) يراقب من بعيد أنوار منازل القرية و هي تنطفئ تباعاً.. (لابدّ أنَّ أبا محمود قد نام الآن) تمتم في نفسه ، فيما عاد بشريط ذاكرته إلى أول أمس . أبو محمود لم يكن إلا أحد مزارعي القرية البسطاء ، رآى عبد الله فرئف لحاله ، و دعاه للمبيت في منزله المتواضع .. فرح عبد الله كثيراً إذ أنه سينعم بالنوم في بطانية للمرة الأولى منذ أيام.. و لابد أن أم محمود ستحضّر له ما يسد رمقه..
و بينما كان جالساً مع أبي محمود يقص عليه قصته ، جاء أطفاله من المدرسة .. توقف عبد الله عن الكلام فجأة ، فيما سرح بأفكاره.. هزّ عبد الله رأسه (لا.. لن أحوّل أطفال أبي محمود إلى أيتام ! )، انتفض واقفاً و شكر أبا محمود على ضيافته ثم اعتذر عن المبيت عنده متذرعاً بأنه تذكر أن مهمة مستعجلة عليه القيام بها ، ثم انصرف..
هي فرق الموت التي لا ترحم ، لو اقتحمت بيت أبي محمود و اكتشفت أنه يؤوي جندياً منشقاً لاعتقلته بكل تأكيد ، و الله يعلم متى يرجع إلى أطفاله بعدها ، إن لم يرجع إليهم محمولاً في تابوت !

هبّت نسمة باردة جعلت عبد الله يتكوّر على نفسه أكثر ، فيما شدّ بيده على معدته الخاوية .. في مثل هذه الأيام من العام الماضي كان يقضي ليلته كغيره من البشر ، يحتسي الشاي الساخن و يلتهم فطائر والدته اللذيذة حتى إذا ما شبع اندسّ في فراشه الدافئ بجوار المدفئة.. لم يكن وقتها يعلم أن الأيام ستجعله مطارداً يفترش الأرض و يلتحف السماء..
مدّ أصابعه التي ازرقت لشدة تجمّدها- إلى جيبه، ليخرج صورة امرأة تبدو في منتصف الأربعينيات.. (كم اشتقت لك يا أمي..!) تنهّد عبد الله - الذي لم يكمل ربيعه العشرين بعد- فيما عاد بذاكرته إلى قبل شهرين من الآن.. عندما استرق على عجل زيارة لبلدته النائية ليغادرها على عجل.. لم يكد عبد الله يعانق والدته - التي لم يرها منذ أن استدعي لأداء الخدمة العسكرية قبل أشهر- حتى هرع إليه جاره يحثّه أن يغادر على عجل.. إنها فرق الموت ! و لا بدّ أن عبد الله سيعتقل لا محالة إن وقع تحت نظرهم..
قبّل والدته ، ثم حمل بندقيته و همّ بالخروج.. إلا أن دموع والدته أجبرته على أن يقطع على نفسه عهداً هو ما أثقل كاهله إلى اليوم .. وعدها أنه سيعود.. و أن تنتظره..
كان يعلم في قرارة نفسه أن إيفاءه بوعده ضرب من المستحيل ، ما لم تحصل معجزة ما .. إذ أن عبد الله كان يعلم مذ اتخذ قراره المصيري ذاك أنه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت.. أو الموت ! إلا أن كليهما كانا أهون عليه من أن يلوّث نفسه بقتل الأبرياء من أبناء بلده .. (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) قالها عبد الله حين اتخذ قراره الشجاع قبل ثلاث أشهر من الآن...
(هو الموت لا محالة)..زمّ عبد الله شفتيه ..(المهم أن يختار المرء كيف يموت.. و لماذا يموت) .. هكذا كان والده – رحمه الله- يعلّمه دائماً.. أغمض عبد الله عينيه واضعاً رأسه بين يديه ..(لا أريد أن أموت في أقبية التعذيب.. لا أريد!).. هو القتال حتى النهاية إذاً... أو ربما هو الموت من البرد و الجوع قبل ذلك؟!..

تذكّر أحلامه التي رافقته طوال سنواته العشرين.. أحلامه باستكمال دراسته الجامعية و حصوله على شهادة مرموقة.. و وعده لابنة عمته أنّهما سيكوّنا أسرة سعيدة يوماً ما.. كم هو مشتاق لها هي الأخرى ، و كم يتمنى لو يستطيع أن يسمع صوتها على الهاتف ، إلا أن أمنيته تلك كانت بعيدة المنال ، فبلدته الكائنة على أطراف البلاد الواقعة في هامش الزمان و المكان و التاريخ! لا خطوط للهاتف فيها.. إذ لم تصلها منجزات الحركة التصحيحية "المجيدة" بعد !
(تباً !) ضرب عبد الله بيده على الشجرة.. إلا أن سلسلة أفكاره و هدوء الليل المطبق قطعتها زخات هستيرية من الرصاص انطلقت على مسافة ليست ببعيدة عنه.. و للمرة الثالثة – و الأخيرة- كان على عبد الله أن يتخذ قراراً سريعاً..
أخرج من جيبه الرصاصات الخمس التي بقيت في حوزته ، برقت عيناه فيما ارتسمت تلك الابتسامة على وجهه المبلل بدموعه المالحة.. ( لا يستحق الحياة من ليس لديه ما يموت في سبيله) قالها بصوت عالٍ ، انتفض واقفاً و أزال التراب الذي علق على بدلته العسكرية.. حمل بندقيته.. ثم قبّل صورة والدته و دسّها في جيبه .. ( لا تحزني يا أماه ، إنه قدري.. )..
ثم مضى ...

في تلك الليلة و على بعد أميال من هناك ، تستيقظ والدته من نومها المضطرب ، قلبها يخفق بشدة على غير العادة.. تهرع إلى النافذة .. لترى الغيوم السوداء تملأ السماء حاجبة القمر وراءها.. تضع أم عبد الله يدها على فمها - و بحدس الأم- تجهش بالبكاء ..


هذي بلادي و اعلموا أن الصغار
من دولة الأحلام تمتلك القرار
من سجون الليل تنتزع النهار
وتمضي.. عاصفة!

never_give_up's picture
by
بعد التخرج


لاحول ولاقوة إلا بالله Crying or Very sad

الله يحمي هالشباب.

مؤثرة

Dr.mTm's picture
Dr.mTm
بعد التخرج


اللهم من أراد بلادنا بخير فوفقه لكل خير و من أراد بلادنا بشر فاجعله في نفسه و أهله...
حسبنا الله ونعم الوكيل...

مؤلمة

يم
بعد التخرج

Quote:
مؤلمة

Sad

freesoul_r3's picture
freesoul_r3
السنة الخامسة


مؤثرة، والجملة الأخيرة قاتلة
--

Quote:
الله يحمي هالشباب.
Dr.TH's picture
Dr.TH


مؤلمة، مؤثرة، غاية في الروعة والإتقان!!!

primrose
السنة السادسة


القهر يفتح المواهب Sad

never_give_up's picture
never_give_up
بعد التخرج


تلامس شغاف القلب....
فيها حكم تكتب بماء الذهب...
(المهم أن يختار المرء كيف يموت.. و لماذا يموت)
( لا يستحق الحياة من ليس لديه ما يموت في سبيله)

Noor Alsaid's picture
Noor Alsaid
السنة السادسة


يا قهار يا جبّار .. تجبر على من تجبّر علينا ..

و اجبر كسر خواطرنا و خواطر عبد الله من شاكله يا رب ..

...

أكثر من مؤلمة ..

و نحن نعتبر أنفسنا .. أبطال و شجعان و مضحين ...!!!! هكذا تكون التضحية ..!!

husam_kbn's picture
husam_kbn
السنة الخامسة


رااائعة

LuLu sham's picture
LuLu sham
السنة الرابعة


ممكن النقل ..؟

husam_kbn's picture
husam_kbn
السنة الخامسة


بالبداية كانت مؤلمة ..معبرة..واقعية...لكن عندما وصلت الى السطر الأخير..قشعريرة اصابتني لم اشعر بها منذ زمن
فعلا:...

Quote:
الجملة الأخيرة قاتلة
redsun
السنة الثالثة


عنجد ما فيك تقراها بدون ما تبكي
رائعة جداً

dr-لانا's picture
dr-لانا
السنة الثالثة


حسبنا الله ونعم الوكيل
الله اكبر على من طغى وتجبر
مؤثرة

المستعصم
السنة الأولى


راااائعة جدا و مؤثرة...

fragrance19
طالب دراسات عليا


Crying or Very sad

احـميهم يارب ..

Dr.Twilight's picture
Dr.Twilight
السنة الرابعة

Quote:
مؤلمة، مؤثرة، غاية في الروعة والإتقان!!!
Dr.Twilight's picture
Dr.Twilight
السنة الرابعة


إبداااااع وروعة و واقعية

شكراً لك على مشاركتنا بها

اللهم احمهم و انصرهم يارب و فرجها علينا قريباً

اللهم إنا مغلوبون فانتصر

Dr-Nour's picture
Dr-Nour

Noor Alsaid wrote:
( لا يستحق الحياة من ليس لديه ما يموت في سبيله)

هذه تعريب لقول مأثور عن مارتن لوثر كينغ:

A man who won't die for something is not fit to live.
husam_kbn wrote:
ممكن النقل ..؟

بالتأكيد..

never_give_up's picture
never_give_up
بعد التخرج

Quote:
مؤلمة، مؤثرة، غاية في الروعة والإتقان!!!
Quote:
تلامس شغاف القلب....
فيها حكم تكتب بماء الذهب...

شكراً صبا.. جد روووعة.. خلتني أبكي.. الله يعين هالشباب.. والله مو سهلة.. خيارين أحلاهما مر..
الله يقويهم ويثبتهم ويحميهم ويكون معهم.. ويشد عزيمتهم.. ويصبرهم ويصبر أهلهم..
بانتظار إبداعاتك دائماً صديقتي..

Miss Creative's picture
Miss Creative
السنة الرابعة

Quote:
بالبداية كانت مؤلمة ..معبرة..واقعية...لكن عندما وصلت الى السطر الأخير..قشعريرة اصابتني لم اشعر بها منذ زمن
Quote:
الجملة الأخيرة قاتلة

Crying or Very sad

s.phoenix's picture
s.phoenix
السنة الثالثة


Sad Sad Sad

Arther's picture
Arther
السنة الثانية


مبدعة .. صبا

---

الظلم بشع .. بشع

Sad

---

رحمة الله على كل شهدائنا ~,.

prettyflower's picture
prettyflower
بعد التخرج

Quote:
يا قهار يا جبّار .. تجبر على من تجبّر علينا ..

و اجبر كسر خواطرنا و خواطر عبد الله من شاكله يا رب ..

...

أكثر من مؤلمة ..

و نحن نعتبر أنفسنا .. أبطال و شجعان و مضحين ...!!!! هكذا تكون التضحية ..!!

Nour-M


المهم أن تلقى الله وما برقابنا دم إنسان بريء ... "فما يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً"
تقبل الله شهداءنا في فسيح جنانه

محمد100
السنة الخامسة


مؤلمة كما هو واقعنا ....... بل إنّ واقعنا أشدّ إيلاماً ...!!!!!!!
كم تمنيت أن تكون هذه القصّة من نسج الخيال .... لكن للأسف القصّة لا تصوّر حتّى جزءاً يسيراً من الحقيقة...
Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad Crying or Very sad

Quote:
المهم أن تلقى الله وما برقابنا دم إنسان بريء ... "فما يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً"

حسبنا الله و نعم الوكيل ...

EVER GREEN's picture
EVER GREEN
السنة الأولى


من كان يدري أن في أرحام هؤلاء النسوة سكن المجد و(الشرف)و الإباء الذي يذهل اليوم اسياد الارض فيتوجسون منه خيفة و تحسباَ
الله أكبر ها هو التاريخ يلد أبطاله من جديد

أمير's picture
أمير
السنة الأولى
ابق على تواصل مع حكيم!
Google+