تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

مشاركتي في الأمسية


مشاركتي في الأمسية

اليوم هو اليوم الأخير لتسليم المشاركات للاشتراك في الأسبوع الثقافي، وصلت مبنى المدرجات و صعدت الدرج قاصدة غرفة الهيئة الإدارية، عندما دخلت كان أدهم و وجدي في الهيئة، أخبرتهم بأنني أريد الاشتراك في أمسيات الأسبوع الثقافي.
قال أدهم: في الغرفة المجاورة تجدين المسؤول عن الفعاليات يمكنه مساعدتك.
قصدت الغرفة الأخرى، لم أكن أعلم بوجود مثل هذه الغرفة هنا، كانت تبدو كأنها غرفة عمليات في مستشفى، فيها سرير عليه غطاء أبيض، و قربه جهاز يبدو كجهاز تخطيط القلب الكهربائي، رحب بي المسؤول الذي كان يرتدي مريولاً أبيضاً...
قال لي: تفضلي...تفضلي..
شعرت بشيء من الخوف،ما العلاقة بين أمسيات الأسبوع الثقافي و هذه الغرفة؟؟؟ و لماذا يبدو المسؤول عن الأمسيات طبيباً؟؟!!
ظننت للحظة أنني أخطأت الغرفة...
لكنه قال لي: هل تريدين حقاً الاشتراك بالأسبوع الثقافي؟
قلت له: نعم
قال لي: من فضلك استلق على السرير..
اتسعت عيناي دهشة!!
لكنه أردف قائلاً: لا تقلقي...إنه فحص روتيني نجريه لكل المشاركين في الأمسيات..
قلت له: لم يخبرني أحد بذلك.!
أجابني: إنه قرار العميد الجديد، يجب أن نجري هذا الفحص لكل المشاركين، فأنتم ستقفون على المنصة و تقرؤون كلماتكم على مسامع زملائكم، فلا بد أن ندرس شخصياتكم بشكل جيد، فلا يعقل أن يقف أي شخص هناك، و يؤثر بشخصيته و كلماته على زملائه، يجب أن ندرس إمكانياته، و هل هو مؤهل للوقوف هناك أم لا...
شعرت لحظتها أن هذا الطبيب قد بقي مع الذين بقيوا من سكان كوكب السعادة هنا، ربما هو و العميد أيضاً!!!
جلست على السرير، فتناول الطبيب جهازاً كأنه قبة صغيرة، تتدلى منها مجموعة أسلاك في نهاية كل سلك شيء يشبه سماعة الهاتف المحمول، وضع القبة على قمة رأسي و ثبت تلك الأجزاء الصغيرة في مناطق مختلفة من جبهتي و صدغي..!
قال لي: هذا جهاز تخطيط الإحساس الكهربائي!!
نظرت إلى المخطط، كان مسطحاً تماماً، تذكرت أن الخط المسطح في مخطط القلب يدل على موت الإنسان و سرت داخلي قشعريرة، شعرت لحظتها أن قلبي يرتجف من الخوف...
و لكن بعد عدة ثوان بدأ يتغير شكل ذلك المخطط..
طبع الطبيب المخطط و أمسكه بيده و بدأ يتأمله، ساد الصمت عدة لحظات شعرت كأنها ساعة، كنت أفكر...ترى ما الذي سيقرؤه في هذا المخطط؟؟!
قال لي: موجات كراهية متتالية و مؤنفة و المسافات بينها متقاصرة جداً....لماذا؟؟
شعرت كأنني متهمة و عليّ أن أجيب و أعترف بكل شيء، كنت لحظتها أريد أن أنتهي من هذا الفحص الغريب، و لم تعد تعنيني المشاركة في الأسبوع الثقافي.
قلت له كمن يعترف بذنبه: في الفترة الأخيرة صرت أشعر بالكره تجاه كل الناس.
سألني بنبرة من سمع جواباً يتوقعه: لماذا؟
أجبته: صدمت بأقرب الناس إليّ،بمن اتخذتهم قدوة و معلمين، و بعد ذلك و دون شعور مني فقدت ثقتي بكل من حولي، و صرت أشعر أن كل من يقوم بعمل جيد و خيّر و كل من يدّعي المبادئ و المثاليات هو ممثل و سرعان ما سيسقط قناعه في لحظة ما لأكتشف زيف سلوكه.
قال لي: و ما هو لون الوقت الآن؟
فوجئت بسؤاله، يبدو أن قرأ خاطرتي (ألوان الوقت )
أجبته: لون الوقت أسود...و طأطأت رأسي...
قال لي: لكنك قلت في خاطرتك(ألوان الوقت)..."و لكن الوقت لن يصبح أسوداً إنه فقط بنفسجي" فكيف أصبح أسوداً؟؟
أجبته: عندما كتبت الخاطرة كنت مازلت أؤمن بوجود الخير ، لكن تكرار الهزيمة أضعفني...ففقدت الثقة تماماً، فأصبح لون الوقت أسوداً...
قال لي:و هل تعتقدين أنك ستكونين قدوة و لن تسقطي في يوم من الأيام؟؟
أجبته: لا أبداً...أنا لست قدوة، و كما تخلى أولئك الناس الذين كانوا عظماء في نظري عن مبدأ من مبادئهم، فربما أنا أيضاً سأتخلى عن مبدأ من مبادئي يوماً ما، و سأختبئ خلف مبرر واهٍ لأبرئ نفسي أمام ضميري و احترامي لذاتي...
نظر إليّ بصمت نظرة رضا...فأدركت أنه يصدقني...لكن تعقيبه فاجأني مجدداً...!
قال: إذن ...مادمت تؤمنين أن الإنسان يضعف أحياناً و يختبئ خلف المبررات و الأعذار ليكون مطمئن الضمير و هو يتنازل عن أحد مبادئة فلماذا شوهت صورة (البطل) في سلسلتك (حكايات) لماذا لم تتركيه مختبئاً خلف مبرر ما؟؟ لماذا أحرقت قلب البطلة حزناً و بؤساً و أنت تعلمين أنه لا يوجد شخص كامل في هذه الدنيا؟؟! و القراء أيضاً...لقد سببت لهم الألم...لا تستهيني بأي شعور مهما كان صغيراً و اعلمي دوماً أن الشعور مهما كان بسيطاً إلا أن قيمته كبيرة...
قلت له: لكنها مجرد قصة....
أجابني: لا ذنب للقراء حتى تسببي لهم الحزن،لكل إنسان أحزانه و همومه...،ألا تخجلين من نفسك و أنت تضيفين لحزنهم حزناً آخراً؟؟ لماذا لا يكون قلمك أداة لنشر السعادة و الفرح، و مسح الهموم عن قلوب الناس؟؟ لماذا؟؟
ثم نظر إلى مخطط إحساسي الكهربائي مجدداً و قال لي: موجات الفرح كلها مقلوبة إلى موجات حزن..
نظرت إليه.:..نعم هذا هو السبب، كيف أكتب فرحاً لا أشعر به؟؟ فاقد الشيء لا يعطيه...
قال لي: لكنك كتبت "مساؤك فرح" لمن خنقكِ حبه..!
و كتبتِ "مساء ليلكي لعينيك" لمن وصفته "ما أقساك يا أنت!"....أحبي الناس من حولك، تحرري من قيود ذاتك و أحاسيسك، و اشعري بالآخرين، و حاولي مرة أن تكتبي من أجلهم لا من أجل نفسك...ثم لماذا لست سعيدة؟؟
هل تنامين و أنت جائعة؟؟ هل حرمك الله من أحد والديكِ؟ هل تفتقدين الأمان و تعيشين تحت رحمة محتل ظالم مستبد؟؟ ما الذي ينقصك كي تكوني سعيدة؟؟ متى تتحررين من همومك الصغيرة لتكتبي عن تلك الهموم الكبيرة...عن ذاك الحزن الحقيقي؟؟؟
أجبته و أنا أشعر كأن ضعف العالم كله جاثم فوق قلبي: الأمر ليس بيدي...فلست أنا التي أختار ما أكتبه، إنها روحي التي تملي عليّ الكلمات، أنا فقط أصغي لها و أكتب...
قال لي: روحك تستحضر الكلمات من أحاسيسك، و أنت تستطيعين التحكم بإحساسك، القليل من القوة فقط...يجب أن تحاولي..
سألته: كيف أكتسب القوة و الكتابة تستنزفها؟؟ الكتابة تجعلنا أضعف و أكثر هشاشة...
قال لي و كأنه يسخر مما قلته: أرجو أن توضحي لي هذه النظرية، كيف تضعفك الكتابة؟؟
أجبته:عندما نكتب فنحن نستخرج أحاسيسنا من العمق، لتصبح أقرب ما يكون إلى السطح، عندها نستطيع إدراك أحاسيسنا و كتابتها...لكننا في ذات الوقت نصبح أكثر هشاشة، فكل كلمة حينها تلامسنا و كل فعل يعبرنا، لأننا كشفنا الغطاء عن أحاسيسنا و لأنها أصبحت أكثر قرباً من الآخرين، لذلك يصبح وقع المواقف على إحساسنا أثقل...فنتألم أكثر...و نضعف...
نظر إليّ نظرة من لم يقنعه الكلام كثيراً ثم قال لي:
لكنك ادعيت امتلاكك عدسات ذهبية تحميك من الحزن و تجعلك أقوى؟؟!
أجبته: إنها فقط تدل على أن كل ما حولي يثير فيّ البكاء، لكن ليس من المعقول أن أقضي عمري باكية، لذلك اخترعت عدساتي الذهبية.
نهض عن كرسيه و قال غاضباً: كل هذا الحزن الذي يهيمن عليك و هذا الضعف الذي يسكنك، كيف استطعت إقناع الجميع بأنك إنسانة إيجابية...بقيت بيننا نحن "السلبيون" برأيك بعد أن سقط كوكبك "كوكب السعادة" ؟؟؟
قلت له بعد أن أزلت عدساتي الذهبية...و بدأت بالبكاء: كيف لكم أن تتخيلوا أن فتاة استطاعت تخيل كوكب السعادة بكل تلك المثالية و بكل ذلك الكمال بأنها سعيدة و هي تسكن كوكب الأرض؟؟؟ كيف تكون سعيدة و هي كائن بشري أبعد ما يكون عن الكمال؟؟؟ إنها فقط تتقن تخيل المثالية!!
أقسم أنني كل يوم أحاول أن أقف رغم تلك السلبية التي تسكنني و تحاول شلّ قدميّ، تحاول جذبي للأسفل...
أتعلق بحبال الأمل، أتشبث بكل ابتسامة، و أسعى لأهزم نفسي...لأهزم ضعفي، لكنني فقط أمام الورقة، فقط هناك أضعف...أخلع أقنعتي ، و ابتسامتي و عدساتي الذهبية و أبكي...و أكتب...فأرجوك لا تحرمني من الكتابة، لا ذنب لي إن كان العالم يضج بالتناقض، أرجوكم...اقرؤوني بأرواحكم، فأنا في النهاية منكم، أذرف دموعكم و أكتبكم قبل أن أكتب ذاتي...
شعرت أنه قد تأثر بما قلته فقال لي: اهدئي و لا تقلقي، رغم أن فحصك إيجابي و الأعراض و العلامات كلها تشير إلى أنك غير مخولة للوقوف أمام الناس و إلقاء أيٍّ من نتاجاتك الأدبية إلا أنني سأسعى بكل ما أستطيع لتشاركي في الأسبوع الثقافي رغم كل شيء...
قلت له بعد أن نهضت عن السرير، و خلعت ذلك الجهاز الأحمق الذي كان على رأسي ، شكراً لك.....لا أريد أن أشترك بالأمسية الأدبية....
الإحساس أعظم من أن يقاس بجهاز أو بكلمات...فمهما كتبت فلن تتسع الأوراق لما أشعر به...
الإحساس يقاس فقط بصدقك مع ذاتك و مع من حولك...
خرجت من تلك الغرفة و أنا أقول في نفسي: لن أشترك بالأسبوع الثقافي هذا العام...لكن...ربما في العام القادم... Sad

منار درويشة

"لا تحزن إن الله معنا..."

LuLu sham's picture
by
السنة الرابعة


منار حضرتها في الأمسية وأنا الآن عدتُ وقرأتها ... إنها رائعة eek:

وأخيراً نزليتها Eye-wink

تمت الإضافة إلى المفضلة Cool

freesoul_r3's picture
freesoul_r3
السنة الخامسة


رائعة هي تلك الكلمات شعرت انها اخذتني لكوكب آخر ,لا أدري ما اسمه ذلك الكوكب
اسلوبك في الكتابة فذ حقا رغم أنها كانت مجرد قصة رويتيها لكنك اوصلتي إلي إحساسا بأنها قطعة فنية مزينة
تجربتي علمتني أن أطل على العالم من خلال نفسي لا ان أطل على نفسي من نافذة العالم ,يكفي أن نملك روحا صافية وجوهرا نقيا كي نواجه هذه الحياة المليئة بالخيبات
أعتذر على رداءة الصياغة فقد أربكتني زحمة الكلام في بالي
وأخيرا .....
أتمنى ان أعرف كيف يصاغ الفرح بقلمك........

comming soon's picture
comming soon
السنة الرابعة


بتعرفي منار أول ما جمعت المشاركات عندي بالبيت لفتت نظري مشاركتك مكتوب فيها أول شي هيئة إدارية فإثارت فضولي ولما قرأتها أثارت إعجابي
دوما مشاركاتك مميزة
بالتوفيق يارب

white_angel's picture
white_angel
السنة الثالثة


منار ... يا منار Surprised

... جمعي كل كتاباتك - > روحي على دار الفكر و اعرضيها عليهم

صدقاً أناْ

أ س ت م ت ع

عندما أقرؤك يا صديقتي

حماك الله و أعلى شأنك دنيا & آخرة

مبدعة ... إنت إنسانة مبدعة

prettyflower's picture
prettyflower
بعد التخرج


يتسم أسلوبك بالتنويع والتجديد هذا عدا عن الإتقان والروعة الدائمةVery Happy

S-D-S's picture
S-D-S
السنة الخامسة


عنجد أنا انصدمت .. من أروع ما قرأت بصراحة .. موفقة يارب ..

youssef's picture
youssef
السنة السادسة


الله يعطيكي العافية
كانت مشاركتك أكثر من رائعة
بس لهلأ ما عرفت شو هي (قصة , خاطرة , ....) أو يمكن تكون نوع جديد من الأدب Eye-wink
أسلوبك مميز

Le prince
السنة الرابعة


يقف الانسان مذهولاً أمام القدرة الإبداعية، وأؤكد لكِ أني عندما بدأتُ بقراءتها، شدّتني كلماتها حتى صدَّقت ما قرأتُ بادئ الأمرٍ قبل أن أنتقلَ من التصديق إلى متعة السباحة في الخيال Smiling
شكراً..

dr.samih's picture
dr.samih
السنة الرابعة


يقف الانسان مذهولاً أمام القدرة الإبداعية، وأؤكد لكِ أني عندما بدأتُ بقراءتها، شدّتني كلماتها حتى صدَّقت ما قرأتُ بادئ الأمرٍ قبل أن أنتقلَ من التصديق إلى متعة السباحة في الخيال Smiling
شكراً..

dr.samih's picture
dr.samih
السنة الرابعة


يقف الانسان مذهولاً أمام القدرة الإبداعية، وأؤكد لكِ أني عندما بدأتُ بقراءتها، شدّتني كلماتها حتى صدَّقت ما قرأتُ بادئ الأمرٍ قبل أن أنتقلَ من التصديق إلى متعة السباحة في الخيال Smiling
شكراً..

dr.samih's picture
dr.samih
السنة الرابعة


جميلة جداً Eye-wink

nafartete's picture
nafartete
السنة السادسة
ابق على تواصل مع حكيم!
Google+