تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

أصبح رقماً مبهماً (قصة قصيرة)


أصبح رقماً مبهماً (قصة قصيرة)

قصة قصيرة ... أحببت مشاركتم بها
.
.
أصبح رقما مبهما
.
.
.

أصوات صاخبة تملأ المكان ، تتزاحم مالئة الأجواء ، تتدافع عند أذن شاردة لتدخل إليها . تلك الأذن التي لم تعد تعي سوى صوت واحد ، تحاول استصداره ، تحاول استحضاره ، تحاول سماعه ، إنه صوت الجرس ...
يوم كباقي الأيام ، لا جديد فيه . تلقي فيه الشمس بأشعتها الثقيلة على سقف المعمل الحديدي ، لينفث السقف بحرارته على فتيات يقبعن تحته ، يعملن وسط صخب آلات الحياكة ، ليزداد العمل صعوبة على صعوبته ....
هي واحدة منهن ، جمعتها ظروفها بهنّ ، لتدخل معترك الحياة و لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها ؛ إنها حنين .....
لا تفكر الآن سوى بشيء واحد ، لا تنتظر سوى شيء واحد ، تريد سماع صوت الجرس . ذلك الجرس الذي سيحررها من هذا المكان و من هذه المعمعة حتى غدٍ لا يلبث أن يعود من جديد ...
بعد طول انتظار ... أتى ذلك الصوت الذي ملّت انتظاره ، أتى ليسكت كل الأصوات ، أتى ليحررها من جديد ...
هاهي الآن ترتدي معطفاً لم تعرف غيره منذ دخول والدها إلى السجن ، و تخرج من باب المعمل الشاحب .
تسير كشبح وسط الزحام ؛ واهية الأركان ، تصطدم بالمارة ، مرة عن اليمين ، و مرة عن الشمال . تحاول الإسراع قدر الإمكان ، لعلّها تصل إلى البيت قبل دقيقة أو دقيقتين ؛ لتطعم إخوتها الصغار الذين لا معيل لهم سواها ...
منذ أن دخل والدها السجن و إخوتها لا معيل لهم سواها ، فقد ماتت أمها و حنين لم تتجاوز السادسة من العمر فكان أبوها الأب و الأم ... ثم دخل السجن ليبقى هؤلاء الأطفال دون أب أو أم ... لا بل دخل السجن ليجعل من حنين ذلك الأب و تلك الأم لأطفال لازالوا زغبا ....
ها قد وصلت حنين إلى البيت ، لا تكاد تفتح الباب حتى يلتمّ إخوتها حولها ليشكوا إليها بطوناً أخذت تصرخ من شدة الجوع الذي اعتراها ....
كيف استطاع أبوها تحمل كل العناء !. لم يكن يدعها تعمل وحيدة أبدا . كان يساعدها عند عودته من العمل ؛ يغسل الخضار و يقطعها ، يمازحها و هما يطبخان . يهتم بإخوتها الصغار ، يلقي بجو أبوي حنون تشعر حنين الآن بحاجة ماسة إليه , تفتقده بكل كيانها و بكل أحاسيسها ...
الآن لا وجود لكل ذلك ... فأبوها أصبح رقما مبهما !.
و تسيل أول دمعة لهذا اليوم من عينيها لتستقر في قدر الطعام . تحاول جاهدة قتل كل تلك الدموع التي تأججت في عينيها . يجب أن تعيد رسم تلك الابتسامات التي كان والدها يرسمها على الوجوه ، يجب أن يشعر إخوتها بالدفء و الحنان ؛ لكن هذا لن يكون أبدا مع الدموع !.
يجلس الإخوة الأربعة حول قدر الطعام ، ليباشر الصغار تناول الطعام و قد بدا عليهم طول الانتظار .. لكن ما باليد حيلة !
تبدأ هي الأخرى تناول طعامها و سط صمت خيم على الإخوة ؛ لا يقاطعه سوى صوت الملاعق ترتطم بالصحون ...
تقفز إلى ذاكرة حنين كل تلك القصص الشيقة التي كان أبوها يقصها و يرويها أثناء تناول الطعام ... و العبر ، و الحكايات ، و المُثل ...
لا شيء الآن من ذلك ... لا شيء سوى الصمت ، سوى الذكريات . فأبوها الآن ما هو إلا رقم من بين أرقام كثير ... أبوها الآن بكل حنانه و وقاره تحوّل إلى مجرد رقم !...
و تنطلق دمعة أخرى تسير على وجنتي حنين ...
الآن و بعد تناول الطعام ؛ على حنين أن تهتم بأمور المنزل غسيل، و تنظيف، و إلى ما هنالك من عمل .. يُضاف كل هذا إلى عملها خارج المنزل ...
كالعادة ... هذه الأعمال التي لا تنتهي حتى تخلد حنين إلى النوم .. نعم وقت النوم ... ذلك الوقت الذي يخلو فيه يوم حنين من العمل ؛ وقت يمر مفعما بالذكريات ، مجردا حتى من اسمه !. فمنذ أصبح أبوها مجرد رقم و هي لا تعرف من النوم إلا اسمه .. لا تعرفه إلا وقتاً يتسنى لها البكاء فيه .. بكاء لا يقاطعه أحد !
أخيرا .. انتهت من أعمال المنزل بعد أن حل الظلام .أمامها الآن نصف ساعة تمضيها مع إخوتها قبل أن يخلدوا إلى النوم ؛ لتعلمهم الإباء الذي ورثته عن أبيها ، لتعلمهم العزة ...
أمامها الآن نصف ساعة تمضيها مع إخوتها الصغار ... لتحكي لهم عن أبيهم الحنون ، عن أبيهم الأبيّ الذي رفض الاستسلام ، رفض الانسياق حتى داخل السجن ، لم ينحنِ أبدا و لم يساوم حتى مات في السجن و ضاع بين الأرقام ...
الذهول يملأ أعين الصغار ... الغضب يلتهب في الأحداق ، و حنين ترسم الحرية في تعاريج رقم حمله كل صامد أبيّ ...
لابدّ من تكرار الذكريات بكل آلامها ... لابدّ من قراءة الماضي بكل أوجاعه ... لابدّ من استذكار كل الآلام و الأحزان ... لابدّ من ذرف الدموع كل يوم ؛ بل كل ساعة ... دون ذلك لن تسطع الشمس من بين كل هذه الغيوم ... و لن يشرق النصر المرجوّ أبدا ... دون هذه الذكريات ... لن تولد الثورة !
في نهاية المطاف ينال النوم من أعين الصغار ، وتطبق الأجفان المتعبة على بعضها ..
لكن أجفان حنين لم تستطع الإطباق .. صورة الأب الجميلة لازالت مرتسمة في العينين .. حركاته .. سكناته .. كل ذلك لايزال مرتسما في عيني هذه الفتاة .
صور تغسلها الدموع ... صور تلمعها و تجلوها الدموع ... لتبقى واضحة راسخة ..
صور والد عظيم ، صور والد أبيّ رفض الانحناء ... صور والد أبي سجنه الغاصبون، و مات في سجون الغاصبين ...
نعم ... لقد منعهم الاحتلال منه حياً ، وغرّبه عنهم ميتا ... لا سبيل لأن يعرفوه ، لا أمل في زيارته ؛ أو حتى زيارة المقبرة التي تؤويه !
لن تستطيع حنين زيارة قبر أبيها أبدا ... لن تستطيع إلقاء التحية عليه ... لن تستطع أن تضع على قبره الزهور ، لن تستطيع أن تشكو إليه حالها ، لن تستطيع أن تخبره عن إخوتها ، لن تجد قبر أبٍ تبكي عليه ، لن تستطيع أن تروي قبره بدموعها ... فهي الآن لا تعرف أباها أبدا ... هي الآن تجهله ... تجهل من يكون ...
أبوها الآن هو رقم ... مجرد رقم لا يعرفه أحد ... لا تعرفه سوى سجلات المقابر ... لا أحد غيرها !
شأن والد حنين كشأن الكثير و الكثير من الأسرى العرب الذين ماتوا في سجون الاحتلال ، ليتحولوا إلى أرقام مجهولة وسط مقابر الأرقام ...

.
.
.
تمت بعونه تعالى
.
.
جهاد
7\7\2010

--
من سلسلة : آلام إنسان في أرضه

واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله..

Ji-B-M's picture
by
مدرس


ما أصعب أن يتحول الانسان الى رقم !
قصة مؤثرة ,شكرا .

cerceau de jasmin's picture
cerceau de jasmin
السنة الثالثة


لا أدري ما أقول
قصتك رائعة
لكن أبا حنين لن يكون رقما .... أبدا
صدقني

C.C's picture
C.C


قصة مؤثرة
شكرا كتير

ميشو's picture
ميشو
السنة الثانية

Quote:
لا أدري ما أقول
قصتك رائعة
لكن أبا حنين لن يكون رقما .... أبدا
صدقني

تماما Surprised .... وهو ليس ميت و لن يكون ميت ... سيبقى حيا إلى الأبد Very Happy ...

HMS


رائعة جداً و مؤثرة ..

سلمت يداك أخ جهاد ...

شكراً ليراعك الذي أذرف الدموع ...

Hassoon's picture
Hassoon


بداية بعض الأخطاء و الهفوات الطباعية confused

Quote:
لا شيء الآن من ذلك ... لا شيء سوى الصمت ، سوى الذكريات . فأبوها الآن ما هو إلا رقم من بين أرقام كثير ... أبوها الآن بكل حنانه و وقاره تحوّل إلى مجرد رقم !...
Quote:
لا شيء الآن من ذلك ... لا شيء سوى الصمت ، سوى الذكريات . فأبوها الآن ما هو إلا رقم من بين أرقام كثيرة ... أبوها الآن بكل حنانه و وقاره تحوّل إلى مجرد رقم !...
Quote:
الآن و بعد تناول الطعام ؛ على حنين أن تهتم بأمور المنزل غسيل، و تنظيف، و إلى ما هنالك من عمل .. يُضاف كل هذا إلى عملها خارج المنزل ...
Quote:
الآن و بعد تناول الطعام ؛ على حنين أن تهتم بأمور المنزل من غسيل، و تنظيف، و إلى ما هنالك من عمل .. يُضاف كل هذا إلى عملها خارج المنزل ...

....................
النقطة التي لفتت نظري هي أن الكثير من الأشخاص لا يعرفون ما هي مقابر الأرقام !
أو في حال معرفته بها ... كان يعرف اسمها فقط !
...................
أهلا بكم جميعا ... و شكرا لمروركم . Very Happy

Ji-B-M's picture
Ji-B-M
مدرس

Quote:
قصتك رائعة
لكن أبا حنين لن يكون رقما .... أبدا

بالتاكيد
شكرا جزيلا لمشاركتنا بهذا الابداع

A.M.M
السنة الثالثة

Quote:
لابدّ من تكرار الذكريات بكل آلامها ... لابدّ من قراءة الماضي بكل أوجاعه ... لابدّ من استذكار كل الآلام و الأحزان ... لابدّ من ذرف الدموع كل يوم ؛ بل كل ساعة ... دون ذلك لن تسطع الشمس من بين كل هذه الغيوم ... و لن يشرق النصر المرجوّ أبدا ... دون هذه الذكريات ... لن تولد الثورة !

هذه جميلة...
هناك الكثيرين يضحّون وتضحياتهم لن لها معنى ما لم نكملها نحن ...بل الأحرى أننا نحن من سنكون بلا معنى إن لم نقدر ما فعلوه!
تضحيات الأرقام المجهولة في كل السجون ...أمانة في رقابنا

k_shadli


قصة رائعة ومؤثرة جدا..

Quote:
لكن أبا حنين لن يكون رقما .... أبدا

تماما..

perfume of roses's picture
perfume of roses
السنة الثالثة


رائعة .............
شكرا" جزيلا"................

vagueness's picture
vagueness
السنة الأولى


جميلة ,رائعة , حزينة, مؤثرة حقاً ......
سلمت يداك

dr.moon's picture
dr.moon


حبيبي أبو الجود
والله قصة مؤثرة
الله يزيدك من فضله و يسلم إيديك

Le prince
السنة الرابعة


قصة معبرة فعلا

شكرا

Abdullah.Qasaimeh's picture
Abdullah.Qasaimeh
السنة الثانية


فظيع معلم
بلشت تتفجر المواهب الكامنة
حيو جي بي ام

Ahmed Subeh's picture
Ahmed Subeh
المرحلة الثانوية


nice.........................Eye-wink Eye-wink

MARSHAL's picture
MARSHAL
بعد التخرج

Quote:
هناك الكثيرين يضحّون وتضحياتهم لن لها معنى ما لم نكملها نحن ...بل الأحرى أننا نحن من سنكون بلا معنى إن لم نقدر ما فعلوه!
تضحيات الأرقام المجهولة في كل السجون ...أمانة في رقابنا

تماما .....
برأيي أن الهدف من إقامة مثل هذه المقابر هو محاولة النيل من الأسير و من أهله إلى أبعد حد ممكن !
و ليس فقط الإكتفاء بحياة المناضل لتعذيبه ! ... بل و أهله أيضا بعد موته ....
لذلك تكبر الأمانة التي في أعناقنا ... ليس فقط لتضحيات الشهداء ... بل أيضا لعذاب أهالي الشهداء الذي كنا شاهدين عليه .
............
مرة ثانية .... شكرا جزيلا لمروركم Surprised

Ji-B-M's picture
Ji-B-M
مدرس


thnx Cool

loulita 237's picture
loulita 237
السنة الرابعة


رائـــــــــــعـــــــــة و مـــؤثـــــرة ، شـــــكــراً !!

AY's picture
AY
السنة الرابعة


جميلة .. حبذا لو اعتبرتنا نحن الأرقام !

Nightingale
طبيب مقيم


لك جهاد Evil
ما اتفقنا ما تكتب شي بالمنتدى الادبي مشان ما اضطر اقرأه Cool

بس حلوة Eye-wink

Angel Anas's picture
Angel Anas
السنة الثالثة


أهلا و سهلا ... شكرا لمروركم ^_*
...............

Quote:
جميلة .. حبذا لو اعتبرتنا نحن الأرقام !

كيف يعني Rolling Eyes
الأحياء لرضوخهم أصبحوا مبهمين كالأرقام ..... هيك القصد
إن شاء الله في ذهني فكرة قصة عن هذا الموضوع Eye-wink

Ji-B-M's picture
Ji-B-M
مدرس

Quote:
لك جهاد
ما اتفقنا ما تكتب شي بالمنتدى الادبي مشان ما اضطر اقرأه

Laughing out loud Eye-wink

Ji-B-M's picture
Ji-B-M
مدرس


شكراً لك على اتاحة الفرصة لنا للاستمتاع بابداعاتك
قصة معبرة و مؤثرة فعلأً ...

Quote:
إن شاء الله في ذهني فكرة قصة

بانتظار ابداعاتك المقبلة Eye-wink

D.M.AT


Rolling Eyes
بالعكس ... شكرا لمرورك على المشاركة ..
,,,,,,,,,,
قريبا إن شاء الله Eye-wink

Ji-B-M's picture
Ji-B-M
مدرس


قريبا .....إن شاء الله
>>>>>>>>
حاجز الموت

Ji-B-M's picture
Ji-B-M
مدرس


شكرا ..........جميلة جدا

Dr . Rahaf - Sh's picture
Dr . Rahaf - Sh
السنة الثالثة


قصة جميلة و ذات معنى تخدش القلب من شغافه و تحرك المشاعر النائمة المنغمسة في خضم الحياة التافهة , متناسية معاناة أناس سنسئل عنهم يوما ما ,
ربما لست بمرتبة تسمح لي بالتقييم لكني موقت إذا استمريت بالكتابة ستتطور كتاباتك , و سأعتز بأنك من أصدقائي المقربين يوما ما ..........Eye-wink Eye-wink

dr-brain
السنة الرابعة


بارك الله فيك.............................. قصة مؤثرة و رائعة
فعلا من الصعب أن يصبح الإنسان رقما و لكن لا يغلى على الوطن شيء............."و الآخرة خير و أبقى"
اللهم انصر المسلمين في جميع بقاع الأرض...................آمين

MANAL.N
السنة الخامسة


أهلا و سهلا بكم جميعا و شكرا لكم Very Happy
..........

Quote:
و تحرك المشاعر النائمة المنغمسة في خضم الحياة التافهة

بل و لنحرك أيضا الأفعال Eye-wink

Quote:
فعلا من الصعب أن يصبح الإنسان رقما و لكن لا يغلى على الوطن شيء.

صحيح .... لكن يجب الفكرة التي أردت أن أوصلها :

Quote:
تضحيات الأرقام المجهولة في كل السجون ...أمانة في رقابنا

لذلك علينا تذكرهم ... بل حفر ذكراهم في أذهاننا ... و العمل بكل قوانا كي ننهي هذا الامتهان و هذا الاستحقار للإنسان ! و لكرامة الإنسان و لمشاعر الإنسان Eye-wink

Ji-B-M's picture
Ji-B-M
مدرس


هذا ما أعتبره تطورا " أدبيا " .. شي كتير مهم وحلو .. ومعبر ومؤثر .. والله يعطيك العافية .. " بس ارحم قلمك شوي .. مو تفكر مشان شي لاسمح الله يعني تفكر انو غيرانين منك و خايفين تصير تضارب علينا ابدا لا والله .. بس انا مشانك ها .. صدقتني مو ؟ " ياسيدي مابعرف شو قلك .. بجد حلوة .. شكرا ..

جرح's picture
جرح
السنة السادسة
ابق على تواصل مع حكيم!
Google+