تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

لحمٌ بخمسين ليرة


لحمٌ بخمسين ليرة

القصة حقيقية ، و لكن صاغها قلمي ، أرجو أن تنال إعجابكم :
بسم الله الرحمن الرحيم

صاح أحمد في وجه أمه :
- هذا ظلم ، كل زملائي في الصف يحملون أجهزة نقالة من آخر طراز و جهازي لا يزال غير ملون ؟ غير معقول ، صرت أستحي أن أخرجه من جيبي أمام رفاقي !
دارت الأفكار في رأس الأم وتلاطمت .
- يا بني ، أنت تعرف الحال الآن ، يمكنك أن تؤجل مطلبك قليلاً ...
- لا وألف لا ، منذ السنة الماضية و أنا أؤجل و أؤجل ، ضقت ذرعاً .
- و لماذا تقول هذا الكلام لي ، قله أمام أبيك ، أنا لا شأن لي في الموضوع ..
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تحلقت العائلة حول مائدة العشاء الممتلئة بأطايب الطعام و شرعوا في تناول عشائهم ، كان أحمد يأكل و عقله يدور مع حركة عضلاته الماضغة : كيف سأطرح الموضوع ، يستحسن أن أمهد للقصة قليلاً ، مع بعض البهارات ، ثم تبدأ مرحلة التقدم المستور ، و بعدها أشن الهجوم الكاسح حيث أضع كل ثقلي لكسب الجولة ...
و قطع سلسلة أفكاره صوت أخيه الصغير الذي اعترض على برودة الجو ، فبادرت الأم إلى تشغيل المدفأة بسرعة .
قال أحمد في نفسه :
- يا له من مزعج ، هذا الفصعون ، الجو ليس بارداً أصلاً ، ثم إنني أحتاج إلى فترة من الصمت حتى أبدأ الحديث .
أنهى أحمد جملته الأخيرة في نفسه ، و تهيأ للكلام ، إلا أن والده سأل :
- هل فرغت تنكة الزيت يا أم عمر ؟
- لا والله ، ما يزال فيها ثلاثة أرباعها تقريباً ، لماذا ؟
- لا شيء ، و لكن الرجل الذي نشتري منه الزيت كل سنة ، أخبرني اليوم أنه سيتأخر قليلاً في إحضاره ، لأن المعصرة تأخرت في إعطاءه حصته ، فخفت أن ننقطع .
ابتسمت الأم قائلة :
- لا بأس ، ما عندنا يكفينا لمدة طويلة بعد .
- لقد أوصيته على خمس تنكات .
جحظت عينا الأم :
- خمس تنكات ؟! ماذا أفعل بكل هذا الزيت ؟
قالت هذه الجملة في سرّها و لم تنبس ببنت شفة .
كان أحمد يفكر :
- هووف ، ما لنا و لسيرة الزيت الآن ، دعونا في المهم ، حسناً ، سوف أدخل في صلب الموضوع مباشرة .
و همَّ مجدداً بالكلام ثم عدل عن الفكرة:
- سأنتظر قليلاً ، فموضوع الزيت بعيد جداً عن موضوع الموبايل !
وبعد أخذ و رد ، و عدة أحاديث جانبية استطاع أحمد أن يطرح طلبه أخيراً ، و على الرغم من أنه لم يحصل على جواب شافٍ من والده ، إلا أنه استطاع أن يستنتج أنْ لا مشكلة في الموضوع ، عملاً بالقاعدة : "الصمت علامة الرضى"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استيقظ أحمد مبتهجاً ، إذ أن أمه كانت قد انتهت البارحة من إعداد (مطربانات المكدوس)، و يمكنه بعد أيام قليلة أن يتذوق مكدوس أمه الشهي ، و يأكل منه طوال العام .
و لكنه عاد فتذكر مشكلته الكبيرة مع جواله المنتظر ، فقد قام بجولات عديدة في الأسابيع الثلاثة الماضية ، و بقيت عليه المرحلة الأخيرة اليوم ، فقد رسم خطته بعناية ، لأخذ النقود بعد العودة من المدرسة ، ثم يتصل بصديقه و ينزلان سوياً لشراء الجهاز المنشود .
و كان قد سأل عن مختلف أنواع الأجهزة ، و طاف في السوق عدة مرات ، و توصل إلى نتيجته النهائية ، و احتفظ بها في رأسه .
و على طعام الغداء اجتمعت العائلة من جديد ، حول المائدة العامرة ، و لكن أحمد لم يكن يعي ما يأكل في هذه المرة ، فقد صرف كل تفكيره إلى اختيار الجمل المناسبة ، ليحظى بموافقة أبيه النهائية على المشروع ، و بعد لأي و جهد حانت اللحظة المناسبة و ألقى أحمد بكل ما لديه :
- أبي ، لقد اتفقت مع صديقي اليوم لشراء الجهاز ، و سأنزل معك في السيارة عند عودتك إلى العمل بعد قليل ، فخذ معك ما يكفي من النقود إذا أردت .
- و كم يجب أن آخذ معي ؟
- في الواقع ، إن الجهاز الذي أعجبني تماماً ، ثمنه بحدود العشرين ألفاً .
رفع الأب حاجبيه :
- يعني كم يجب أن آخذ معي أنا ؟
تميز أحمد غيظاً و أجاب في هدوء :
- عشرون ألفاً !
انخلع قلب الأب :
- عشرون ألفاً ؟ من أين لي الآن بهذا المبلغ ؟
شَعَرَ أحمد و كأن سنداناً من حديد قد سقط على رأسه ، إذ اكتشف في نهاية المطاف أنه خسر المعركة بكل سهولة ، على الرغم من كل التقدم الذي ظنّ نفسه قد أحرزه .
عقّب الأب :
- سوف نناقش الأمر مساءً لنرى ما إذا كان بإمكاننا دفع هذا المبلغ الآن .
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لم يعرف أحمد كيف أمضى بقية النهار ، ولا كيف ألغى موعده مع صديقه ، فقد كان معلقاً بين الخوف و الأمل ، الخوف من الفشل الذريع الذي ينتظر مشروعه ، و الأمل في أن يكتشف والده مساءً أنه يمكنه دفع المبلغ .
و عند المساء كان الأب يتكلم مع الأم ، و أحمد يسمع بعض الحديث من مكانه في الغرفة المجاورة :
- أنت تعرفين أن عمر سيسافر بعد عدة أيام ، و قد يحتاج إلى النقود ، لا يمكنني أن أترك يدي فارغتين تماماً !
على كل حال ، فإن الجوال يمكن تأجيله بأي شكل ، ثم إن أحمد ليس مضطراً بشدة إليه ، أما سفر عمر فلا يمكننا تأجيله الآن ، يجب للإنسان أن يحسب للأيام المقبلة ...
و هنا لم يعد أحمد يسمع شيئاً ، لقد أصيب بصدمة عاطفية ، إن صح التعبير ، غامت الدنيا في عينيه ، لقد تلاشت أوهامه بسرعة و نقم على هذا العالم المليء بالشر ، فقفز من فوره إلى السرير مباشرةً ، و نام نوماً عميقاً ، إذ كان يريد أن يهرب من الواقع بأي طريقة .
و عندما نادت الأم للعشاء ، افتقدت أحمد ، فدخلت تبحث عنه و فوجئت به نائماً ، فتركته و قد امتلأ قلبها بالهم ،لقد كانت بين فكي كماشة : بين الأب المسكين الذي يكدح ليل نهار ليؤمّن الرفاه و الطمأنينة لعائلته ، و بين ابنها أحمد الذي لا تنتهي مطالبه ، و هي كأم ، تحب أن تلبي لابنها كل ما يشتهي و يريد ، و لكن أنّى لها ذلك ؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رافق أحمد والده إلى محلِّ الجزّار ، فقد كان الأب يريد أن (يقطع لحمة) كما يقال ، و قد مضى على قصة الجوال عدة أسابيع ، و لمّا يشتري أحمد شيئاً بعد ، دلف الأب إلى داخل الدكان :
- السلام عليكم .
- أهلاً بأبي عمر ، أهلاً و سهلاً ، تفضل تفضل ، كيف حالك ؟
راقب أحمد ما يجري ، طلب الأب من البائع أن يزن له (شَقَّة) كانت معلقة أمامه ، قال الأب :
- أريد بعضها للكبّة ، و ما يقارب الكيلو للطبخ ..
- هل تريد شيئاً للشوي ؟
- نعم ، ليكن .
فيما كان اللحام منهمكاً في عمله ، يقطّع و يفرم ، كان أحمد يراقب كيف يُسلخ اللحم عن العظم ، و كان يفكر :
- إن وزن هذه (الشَقَّة) خمسة كيلوهات ، و إذا كان الكيلو بـ700 ليرة يكون ثمنها .. 3500 ليرة ، يا إلهي ،ثلاثة آلاف ليرة على اللحم ، و الله إن مبلغ عشرين ألفاً ليس بعيداً كثيراً عن ثلاثة آلاف ، كان يجب أن يدفع لي أبي ثمن الجهاز ..
وقطعت أفكاره امرأة تلبس عباءة متواضعة و تضع حجاباً على رأسها دخلت المحل ، توقف البائع عن العمل و التفت إليها :
- تفضلي .
- لا ، أكمل عملك .
- لا لا ، ما ذا تريدين ؟
- أريد بخمسين ليرة ...
و أشارت بيدها إلى بعض قطع اللحم و الدهن على الطاولة .
و يبدو أن البائع يعرفها مسبقاً ، فالتقط بعض القطع ، التي كان أغلبها دهناً و وضعها على الميزان ، اعترضت المرأة :
- أريد لحماً أكثر ..
فقام البائع باستبدال عدة قطع من الدهن بقطعة لحم .
لم يفهم أحمد ما يجري ، راقب تتمة المشهد : فرم البائع تلك القطع ، وكانت المرأة تتكلم في ضَعَة :
- كنت أريد بعض اللحم أيضاً ..
أجاب البائع :
- وضعت لك دهناً أكثر حتى تكفي الكمية ، هل أضع لك لحماً بخمسين ليرة أخرى ؟
قالت المرأة متهرّبة :
- لا لا ، هذا يكفي ، (مشي الحال).
و أخذت الكيس و انصرفت بعد أن نقدت البائع خمسين ليرة .
دهش أحمد ، صعق ، ذُهل ، هل هذا معقول ؟
تسائل في نفسه :هل ما زال هناك أناسٌ بهذا الفقر و هذه الحاجة ؟ يا إلهي :خمسون ليرة ؟!! و ماذا تفعل خمسون ليرة ؟!
لقد كاد يخرج من جلده ، إنه يدفع في جلسة إنترنت واحدة أكثر من مئة ليرة ، بلا طائل ، دردشة و ألعاب و نكات ، يا للهراء .. يا للمهزلة ، لقد صغُرت نفسه في عينه إلى حدِّ العَدَم ، و خاصة عندما تذكر معاركه و كفاحه من أجل جوّال ؟!
- أأشتري جوالاً بعشرين ألف ليرة ، و امرأة لا تملك لشراء اللحم سوى خمسين ليرة ؟! أيُّ بؤسٍ يعيشه أطفالها ، أي شقاء يعانون ؟؟
لقد أحسَّ كم هو أناني ، كم هو ظالم ، لقد أحسَّ بتفاهته حين يغضب و يثور من أجل لعاعةٍ من الدنيا ، و أناسٌ لا يجدون ثمن الطعام ؟!
حقاً إن هذه الدنيا لا تستحق العناء ، لقد توصل أحمد إلى قناعة رسخت في نفسه ، علمته إياها تلك الوقفة الذليلة للمرأة الفقيرة :
"تبلّغ من الدنيا بما يكفيك ، و اجعل همّك أن تدّخر لحياتك الحقيقية ، لآخرتك ، ما يسرّك و يسعدك"

--------------------------------------
محمد طارق الوني
الجمعة 05/03/2010

أنا مقاطع لكشك العائدي ومقصف الطب
tarek_w's picture
by
السنة الرابعة


حلوة ..... مؤثرة كتير ...... شكراً

tareq145's picture
tareq145
السنة الثالثة


شكرا لك أخ طارق
قصة حقيقية فعلا
سمعتها اكثر من مرة
يا لها من عبرة!!
فلنخجل من أنفسنا جميعاSad

الجـــــــــــوكر
السنة الرابعة


رائعة طارق ... رائعة Very Happy

ETERNITY's picture
ETERNITY

Quote:
حلوة ..... مؤثرة كتير ...... شكراً

عفواً ، و شكراً لمرورك .

Quote:
شكرا لك أخ طارق

كمان عفواً ، و شكراً لمرورك Laughing out loud

Quote:
رائعة طارق ... رائعة

شكراً لمرورك .

tarek_w's picture
tarek_w
السنة الرابعة


نسيت أن أقول :
أعتذر يا جماعة و بشدة عن طول القصة Embarrased و لكن لم أستطع ضغطها أكثر مما هي عليه .

tarek_w's picture
tarek_w
السنة الرابعة


أنا جوالي المعفن صرلو معي من الحادي عشر ....
شكرا لك ....

S.K's picture
S.K
السنة الرابعة


قصة مؤثرة .شكرا الك

Dr .Hazem's picture
Dr .Hazem
طبيب مقيم


حلوة Eye-wink

BIG BOSS's picture
BIG BOSS
طالب دراسات عليا

Quote:
أنا جوالي المعفن صرلو معي من الحادي عشر ....

Laughing out loud Laughing out loud Laughing out loud Laughing out loud
Laughing out loud Laughing out loud
شكراً لمروركم ..

tarek_w's picture
tarek_w
السنة الرابعة

Quote:
أعتذر يا جماعة و بشدة عن طول القصة Embarrased و لكن لم أستطع ضغطها أكثر مما هي عليه .

كتابة سلسلة.. لم أشعر بطولها عند قراءتها..

thanks

allo le monde's picture
allo le monde
بعد التخرج


شكراً طارق ..

DR_BJ
السنة الثالثة


شكراً لمروركم ..

tarek_w's picture
tarek_w
السنة الرابعة


وانا كمان ماحسيت بطولها ابدا
بالعكس
عنجد حلوة
سلمت يداك وبانتظار مزيدك

yara.sh
السنة الأولى


رائعة أخ طارق Eye-wink
"تبلّغ من الدنيا بما يكفيك ، و اجعل همّك أن تدّخر لحياتك الحقيقية ، لآخرتك ، ما يسرّك و يسعدك"
معك حق، والله معك حق
وشكراً لك

Angel Anas's picture
Angel Anas
السنة الثالثة


شكراً لكم Embarrased Embarrased

tarek_w's picture
tarek_w
السنة الرابعة


تستحق القراءة رغم طولها..
شكراً لك..

Dr_Hero's picture
Dr_Hero
طبيب مقيم


فكرة حلوة اكتير أنا مستحيل غير جوالي حتى ينتزع (وما كان ينتزع Evil )

Dr.A.M's picture
Dr.A.M
السنة السادسة


بل هي مؤلمة

وتضرب على الوتر

Dr.hamdu's picture
Dr.hamdu
السنة الخامسة


رائعة جدا
شكرا جزيلا

Ahmed Subeh's picture
Ahmed Subeh
المرحلة الثانوية


شكرا كتيير
عنجد تستحق القراءة
وكما أنها من الواقع

Dr Goo's picture
Dr Goo
السنة الخامسة


قصة رائعة...استمتعت فيها كتير Eye-wink
أسلوب سلس و معبر...
شكراً جزيلاً..Eye-wink

rawda.m's picture
rawda.m
السنة الثالثة


المعنى الذي وصلني في النهاية جميل حقا ..

شكرا لتذكرتك اللطيفة طارق ..

Dr.Caesar's picture
Dr.Caesar
السنة السادسة


جميلة جدا و مؤثرة
الله يعطيك العافية

M_Shaballot's picture
M_Shaballot
طالب دراسات عليا


شكراً كتير للجميع ....Embarrased

Quote:
أنا مستحيل غير جوالي حتى ينتزع

Laughing out loud شو الشغلة وقفت عالجوال و بس ؟ Laughing out loud
بس مع ذلك خطوة جريئة ، بالتوفيق Eye-wink

tarek_w's picture
tarek_w
السنة الرابعة


شكرا" جزيلا"

Dr-D.A12's picture
Dr-D.A12
السنة السادسة


قصة فوق الوصف قرأتها في الفصل الأول وأدخلتها مفضلتي منذ تشرين ومازلت حتى الآن أبحث عن ما يصف جزءا من تأثري بها.. وحتى ذلك الحين.. شكرا ألف شكر

spring daisy's picture
spring daisy
السنة الثالثة


القصة كتير حلوة..
و أسلوبك سلس و معبر....
شكراً.... Eye-wink

YARA.M.M's picture
YARA.M.M
المرحلة الثانوية


حلووووووة ...شكرا جزيلاً Surprised

dr.moon's picture
dr.moon


لما شفتا قات لحالي : يا اطيف شو طويلة Shocked بدي اقرأ كلا Evil Evil Evil
بس لما بلشت فيا ما حسيت فيا أبداً Very Happy
شكراً Eye-wink .......؟؟؟؟؟؟؟؟؟

Exoudea
السنة الثانية


جميلة
جزيت خيرا

Nighty Whisper88's picture
Nighty Whisper88
السنة الخامسة
ابق على تواصل مع حكيم!
Google+