تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

أنا مصاب بأنفلونزا الجنازير وبدون علاج


أنا مصاب بأنفلونزا الجنازير وبدون علاج

بقلم نائل شيخ خليل

كنتُ مُتمدّداً وحدي على سريري الطّويل العَريضِ و الذي يتسعُ لأربعةِ أشخاصٍ بمقاس xxl و بكلّ الأوضاع ، و لكنّه و حتّى اللحظة لم يعرفْ سِوى رائحتي و شَغبي و سَهري و قلقي ، و كُنتُ متألماً بجزءٍ ما من جهازي التَّنفسي لا أعرفُ ما هو بالتحديد لسببينِ أساسيينِ أحدهما أنَّ المرضَ و الحمدُ لله ( و بعد ما شاء الله علي ) لا يُحبُني و لا أحبّهُ ، إضافةً إلى أنّني أُكرّرُ في نفسي أنّ مناعتي قويةٌ ضدّ المرضِ تماماً كما هي ضدّ الرّاحة !! ، و هذا ما جعلني عكسَ المُبتلينَ بكثرةِ الأمراض ( عافاهم الله ) عديمَ الخبرةِ بمكامنِ الوجعِ و أسبابهِ و طريقةِ التّعبيرِ عنه ، و كذلك في معرفةِ الطريق إلى شفائهِ بدونِ الحاجةِ إلى طبيب و حتّى في معرفةِ عناوين الأطباءِ الذين يصلحون لعلاجي فيما إذا كانَ لا بدّ من زيارة الطّبيب ، أمّا السّببُ الآخرُ فهو أنّني كُنتُ كسولاً في مادةِ العُلومِ التي كنا ندرُسُها في مدارسنا بطريقةٍ جافّةٍ و تقليديةٍ ، و هي التي كانتْ تُعنى في بعضِ أقسامِها بدراسةِ و تشريحِ الجّسمِ البشري بما في ذلك الجّهازُ التّنفسي ، و لم أكُن أُتابعُ إلا بالصُدفة الدّراساتَ و الأخبارَ التي تهتمُ بالجوانب الطّبية و السّببُ في ذلك هو هَوسي غيرُ الصّحي تماماً بكلّ ما لهُ علاقةٌ بالأدبِ والثقافة و السّياسة و المجتمع و الرّياضة ! .

و بدأتُ أتقلّبُ أكثرَ من عشرِ مرّاتٍ في الدقيقةِ ، مرّةً أنامُ على بَطني و مرّةً على أحدِ جَنْبيَ ، و مرّةً أطوي جَسدي و مرّة أَفرِدُهُ ، مرّةً أضعُ رأسي فوقَ المَخدّة و مرةً أعيدُ رأسي كما أحبُّ و أفعلُ عادةً لتحتِ المخدّة ، و كلّ ذلكَ لأنشغِلَ عن الألمِ الخفيفِ الذي اكتشفتُ بعدَ طولِ تفكيرٍ أنّه ربما كانَ في حَلقي ، و أنّه زارني اليومَ دونَ موعدٍ كما يفعلُ المرضُ عادةً مع الجميع .

و لمّا فشِلتُ في العُثورِ عن سببٍ أتّهمهُ بالمرض خَطَرَ ببالي خاطِرٌ أسودٌ له مبرارتُهُ جَعلني أراجِعُ تاريخَ معلوماتي الطّبية في آخر شهرين ، و بدأتُ أبحثُ عن أعراضٍ أخرى مرافقةٍ لوجعِ الحلقِ لأُقرِّرَ إن كُنتُ قد أُصِبْتُ بعدوى ذاكَ المرضِ اللّعينِ و القبيحِ التّسمية (إنفلونزا الخنازير ) و الذي جَمّلهُ البعضُ ( أو زوّرهُ لغايةٍ في نفسهِ ) بمُصطلحٍ أجنبيٍ مختصرٍ يُقالُ لهُ h1n1 .

هذا المرض الذي يَجتاحُ العالمَ كلّهُ بتوقيتٍ غريبٍ و مُثيرٍ للشُبهاتِ و الاتهاماتِ خاصّةً أنّ الكثير من التقارير أكّدت أنّ الضّجة التي اِختُلِقتْ لصالحِ هذا المرض لها أكثرُ من دافعٍ شريرٍ أصبحَ الكلّ يتنافسُ في تفسيرهِ فمنهم من أرجعهُ إلى إشغالِ النّاس عن الأزمةِ الاقتصادية العالميةِ بأمور صحتهم و الخطر على حياتهم ، و منهم من ردّهُ لمصلحةِ شركاتِ أدويةٍ عالميةٍ لتُسوِّقَ علاجاتها و تُنقذَ اقتصادياتها خاصّة أنّ بعضها محسوبٌ على ساسةٍ كبار و شخصياتٍ معروفةٍ و نافذة ، و منهم من أكّدّ أنّ المؤامرةَ تتعدى الجانب الاقتصادي لجوانب أخرى كثيرة منها المنطقي و منها المُبالغ فيه !

المُهم و بالعودةَ إلى حَلقي ، تذكرتُ أنّ من ضمنِ ما قرأتُ عن هذا المرضِ أنّ أحد أعراضهِ التهابٌ بالحلق ، و بدأتُ أعصِرُ ذاكرتي حتى تذكَّرتُ أنّ من ضمن الأعراض أيضاً ضيقٌ في التنفس .

شَهَقتُ و زَفِرْتُ مرّاتٍ متتالية و بسرعةٍ و ارتباكٍ ، و ها أنا أتأكّدُ أنّ عندي فعلاً مشكلةٌ ما بالتنفسُ و هنا قفزتُ من السريرِ كالمجنون بعدَ قرابة السّاعتينِ من التّقلب و التّفكيرِ ، و شغّلتُ جهاز الكمبيوتر و معه الإنترنت و صديقي العزيز ( جوجل ) أدامهُ اللهُ يُلبّيني لمّا أحتاجُهُ في ظلّ ندرةِ الأصدقاءِ و .. الأوفياء ! ، و بدأتُ أبحثُ عن أعراض المرض السّيءِ الذِكرِ بالتّنقلُ بين المواقعٍ الإلكترونية لأصلَ إلى نتيجةٍ تُريحني أو إلى نتيجةٍ تجعلني أطفئُ الجّهاز على عجلٍ و أرتدي ثيابي كيفما اِتـُّفِقَ ثمّ أمتطي سيّارتي لأيّ مستشفى قدْ يُعالِجُني من مرضٍ لم يكنْ ينقصني وجعاً و تعباً و قلقاً من الدنيا إلا هو ! .

سيلانٌ بالأنف : الحمد لله لا يوجد و ها أنا أعصرُ أنفي بمنديلٍ و بقوّة لأتأكَدَ ، إجهادٌ جَسدي : الحمد لله لا يوجد و الدليل أنني قفزتُ من سريري إلى طاولة الكمبيوتر قفزةً فيما لو قفزتُها في إحدى المُسابقاتِ العالمية للقفز لفُزتُ بفضلها على أقلِّ تقديرٍ بالميدالية البرونزية ، العُطاسُ : لا لم أعطُسْ اليوم و على الأقل من ساعةِ إطفائي للنّور و اندساسي تحت الغطاء الخفيف ، سُعالٌ : الحمد لله لا يُوجد و بكلّ أشكالهِ ، ارتفاعٌ بالحرارة : يُوجد و هذا مؤشرٌ خطيرٌ و لكن قد يكونُ سببه أنني خفّضتُ درجة برودةِ المكيفِ للنصفِ لكي لا تتأزّمَ حالتي ، أما عن ألم الحلق فقد كانتْ النتيجة إيجابية و كذلك بخصوص ضيقِ التنفس رغم أنني كنتُ متوهماً و موسوساً كعادتي بخصوص أنني أعاني حقّاً مشكلةً في التنفس ، و مما زادَ الأمر سوءاً الأخبار التي كانت تقفِزُ كخنزيرٍ بَشعٍ أمامي على الشّاشةِ من بين نتائج البحثِ الذي كانَ يُكرمني بها الـ ( جوجل ) و التي تُفيدُ بأنّ عددَ الوفياتِ في هذا المرضِ اللعينِ في السعودية وصلَ لستّة ( حتى تاريخ كتابة المقال وصل العددُ لسبعة ) و أنّ اثنين منهم تُوفيا في مستشفىً لا يبعدُ عن بيتي سوى دقائقَ معدودةٍ بالسّيارة ، و أنّ معظمَ الحالاتِ اِتُهمتْ فيها الجِهاتُ الطّبيةُ بالتّقصير ِفي تشخيصها رغمَ أنّ الكلّ أجمعَ أنّ المرضَ لا يُعدّ بالمرض الخطر و أنّه يشبهُ لدرجةٍ كبيرةٍ الإنفلونزا العادية و خطورتهُ تكمنُ في التأخر بالعلاج و في حالاتٍ خاصةٍ لبعض الأشخاص المبتلين أصلاً بأمراضٍ أخرى ، و مع ذلك فقد تمّتْ مُطالبةُ الجميع بالحذر الشّديد الذي دفعَ الشياطينَ لتُوسوِسَ في رأسي بأفكارٍ سوداءَ و غريبةٍ و غيرِ مسبوقةٍ بالنسبة إلي و خاصّةً أنّ الأمرَ يتعلقُ بوضعي الصّحي الذي كُنتُ أتباهى بهِ دوماً بل و أتحدى بهِ كلّ المحاذيرِ .

أطفأتُ جهازي بعدَ أن اطمأننتُ نوعاً ما وعاودتُ محاولاتي للنومِ لاستقبالِ نهارٍ جديدٍ و كانَ لي ذلك أخيراً ، و في اليومِ التّالي كُنتُ أفكّرُ بالكيفيةِ التي انتقل إلي المرض بها ، فتذكرتُ أنّ أحدهم عطس أمامي عطستين كبيرتين ، و اتهمتُ سُعَالَ آخر ، و شككتُ بأحدهم و الذي فرض الشوق على كلينا أنْ نُقبِّلَ بعضنا في سلوكٍ يعدُّ الأسرعَ و الأسهل والأكثر جدوىً لنقلِ المشاعرِ بصورةٍ حميميةٍ وصادقةٍ ( إذا افترضنا أنّه لم يكن نفاقاً ) ، و لِنَقْلِ عدوى الأمراض بطريقةٍ تراجيدية !! .

و حتّى المساءِ استمرَ ألمُ الحلقِ و لكنْ هذهِ المرّة مع ظهور عارضٍ جديدٍ و مرعبٍ بالنسبة إلي و ذلكَ طبعاً لتكتمل ( التراجيديا النّائلية ) !! ، حيث بدأ السُعالُ و العُطاس بالشغب الخفيفِ بين الفَينةِ و الأخرى ، و هكذا وصل عددُ الأعراضِ الدّالة على المرضِ اللعين إياه إلى خمسةٍ ، و بدأتُ أنا حينها أختارُ في نفسي المُستشفى الذي سيحظى بالاحتفال بضحيةٍ جديدةٍ للإنفلونزا اللعينة !! ، و نِمْتُ بصعوبةٍ على أملِ أن أستيقظَ و أنا مُعافىً و لا أعرِفُ كيفَ مَسكتُ النومَ في تلكَ الليلةِ و أرغمتُهُ أن يلبِسَني .

و بطريقةٍ غريبةٍ و مفاجئةٍ استيقظتُ لوحدي بعدَ أقلِّ منْ أربع ساعاتٍ من النّوم و هنا زادَ ارتباكي و صِرْتُ أربِطُ في سلوكٍ متوقعٍ مني بينَ ما حَدَثَ معي على غير العادة و بين المرضِ الغريبِ الأطوارِ قبلَ أن أرغِمَ نفسي أنْ تطرُدَ وِسواسَها الغريبَ و المفاجئَ و الوقحَ أيضاً بعدَ نِصْفِ ساعةٍ من هذا الاستيقاظ المباغتْ لأُتابِعَ النّومَ حتّى وقتٍ متأخرٍ من الصّباح .

و استمرَ نهاري بحلقٍ موجوعٍ و فِكْرٍ مفجوع ، و لم أزلْ رغم قلقي و خوفي و وساوس الشيطانِ لعنهُ الله مُصرّاً أنْ لا أذهبَ إلى الطّبيبِ حتّى أتأكدَ بنفسي أنّ الأمرَ وصلَ لدرجةٍ خطرةٍ و حينها سأتكرمُ على أيّ مستشفى ليُعلِنَ أنَّ حالاتِ الإصابة بالمرضِ السّيءِ الذّكر قدْ زادتْ واحدةً و هذه المرّة لرجلٍ يدّعي أنّه رسولُ الإحساس !! .

و بقيتُ هكذا طيلةَ النّهار الذي منّ علي بأنْ كانَ قسمٌ كبيرٌ ممنْ أضطَرُ أنْ أكونَ بقُربِهم أو بمواجهتهم مُصابونَ بأعراضِ الإنفلونزا بأحدِ أنواعها باعتبارِ أنّ أعراضَ هذا المرضِ باتتْ معروفةً و بالأخص بالنسبة إلي !! ، و عندَ المساء نُصِحتُ و عن بُعدٍ ( باعتبار أنّي وحيدٌ ) من قِبَلِ أحدِ الأحبةِ و أهل الخبرةِ بأنْ أكُفَّ عن التّوهُمِ و أطرُدَ وساوِسَ الشّيطانِ نهائياً من أفكاري ، و ألجَأَ إلى الزّعترِ الأخضرِ المَغليِ و المُحلّى بالعسلِ ، و إلى رُقيةِ النّفس بالقرآن ثمّ مصالحةِ الأطباء في صباحِ اليومِ التّالي و التّكرمِ عليهم بزيارةِ رسولِ الإحساس إلى لأحدهم بعد خصامٍ طويلٍ . و بالفعل احتسيتُ أكثرَ من كوبٍ من الزّعتر المَغلي أحْسَسْتُ بعدها بتحسُنٍ ملموسٍ جعلني أتراجعُ عن مَكرُمَتي التي وَعَدْتُ بها الطبّ و الأطباء ، و أعيدُ النّظرَ بأسبابِ مرضي ( الخجولِ ) ، فحوّلتُ اتهاماتي إلى المُكيّفِ الذي لا يُفارق حَرّ مدينةِ الدّمام في تناحرٍ دامٍ بينِ الحرّ الطّبيعي و بين البردِ الصّناعي ، و إلى الماءِ الذي أدمنتُ شُربهُ بارداً بُرودةَ الثلج صيفاً شتاءً و بطريقةِ ( الزرنئة ) أي بإمالةِ الرّأسِ للخلفِ و الشُّربِ بطريقةِ الإسقاط المباشر للحلق بدونِ ملامسةِ الإبريق ! ، و هي العادةُ السّيئةُ صحياً التي لم أستطعْ أن أتوقف عنها و لم يستطعْ أيّ كُوبٍ فارغٍ أن يغريني بملْئِهِ بالماء ثم شُربهِ بلْ أذكرُ أنّني في أيامِ بعيدةٍ كنتُ أتباهى أمامَ رِفاقي بقدرتي الفائِقةِ على ( الزرنئة ) برفعِ الإبريقِ لأعلى مستوىً و الشُّربَ بدونِ أن تطيشَ قطرةُ ماءٍ واحدةٍ خارجَ الهدفِ !! .

في اليومِ التّالي كرّرتُ العِلاجَ ( الزّعتري ) مع حُبوبٍ مُلطِّفةٍ للحلقِ اِبتعتُها من الصّيدلية عند الظّهيرة ، و مع مرورِ الوقتِ تأكّدتُ أنّ كلّ ما جرى معي لا علاقةَ له بإنفلونزا الخنازير لا من قريبٍٍ و لا من بعيدٍ ، و أنّ المرضَ الحقيقي الذي اِبتُليتُ بِهِ في الغربةِ هو إنفلونزا الجنازير !! .

نعم .. فأنا مُكبّلٌ كلّياً ، الرّوحُ مكبّلة و الذّاكرةُ مكبّلة و كذلك الفِكرُ و الجَّسدُ ، و الطّعنةُ الأخيرةُ قدْ لا تُوجعُ بذاتِ القَدْرِ الذي أوجِعتني فيهِ الطّعنةُ الأولى لكنّها قدْ تقتّلُني !!! .

و صِرتُ أسألُ نفسي : لمَ لبِسْتُ الوهم لمجرَدِ ألمٍ خفيفٍ في الحلق لم يمنعني لا عن الطعام ولا عن الشّراب ؟ ، و متى كُنتُ ألتفِتُ لألم خفيفٍ أو قوي يُصيبني !؟ ، ألمْ أخاصم الأطباءَ و امتنعْ عن زيارتهم إلا مرّة واحدةً أو مرّتين منذُ عشرين عاماً !؟ ، ألمْ تثبتْ كلُّ التقاريرِ و الأخبارِ و الدراساتِ أنّ هذا المرض برغمِ كلِّ شيءٍ لا يُعَدُّ مُميتاً بلّ أنّ نسبةَ الوفيات من جرّاء الإنفلونزا العادية حتّى الآن أكبر من نسبةِ الوفيات التي حدثت حتّى الآن للإنفلونزا ( الخنازيرية ) .

أمّا الجوابُ الوحيدُ لكلّ هذه الأسئلة فهو : لأنّني متعبٌ و موجوعٌ و حزينٌ و مهمومٌ و أسيرٌ و مكسورٌ إلى الدّرجةِ التي لم أعدْ أُطيقُ فيها أن أستقبلَ أيّة ضربةٍ جديدةٍ لا صغيرةٍ و لا كبيرةٍ ، لا بحجمِ إنفلونزا الخنازير و لا بحجم إنفلونزا العصافير ، لا خوفاً من المرض و لا من الموتِ بلْ لأنّ الآهاتِ المخبأةَ في صدري تُستعمَلُ لألفِ استعمالٍ من النّوعِ المُلِحِّ !! ، فمنْ أينَ أحصُلُ على آهاتٍ إضافيةٍ أُرضي فيها مجرّد نوبةِ بردٍ أو نوبةَ ضياع ! .

ثمّ إذا مَرِضتُ فمن ذا الذي يَعتني بي كما أتوقُ و كما أستحق ؟ ، و منْ يَنَامُ بقُربي و بقربِ آلامي ليُطَمئِنَني أنّني بخير !؟ ، من سيمسَحُ جبيني و خَدّيَ بكفّيهِ ليَطمئنَ إلى حرارتي و يُجهّزَ لي الكمّادات الباردة و يُبدّلها باستمرار !؟ ، من سيُعطيني الدّواء في وقتهِ و الأملْ في وقتهِ و الحنان في وقته !؟ .

منْ غيرُ وِحدتي يُمكنُ أن تَسمَعَ أنّاتي و شَكوايَ !!؟ ، هي التي راهنتْ على أنّني سأخسرُ رهاني في أنْ أعتزلَ النّاسَ و نفاقهم و أقنعتهم و مهرجاناتِ الكذب خاصّتِهم و بقيتُ الكاسِبَ الأكبر رغم كُلِّ خساراتي !! .

نعمْ .. أنا مُكبَّلٌ بسلاسلِ الغُربةِ اللئيمة ، و صوتُ أمّي تتنهدُ : \" الله يرضى عليك .. \" يُتعِبُني ، و صوتُ أبي الحنون يخاطِبُني بدلالٍ : \" نألوشة \" يُحرِجُني ، و مدينتي الصغيرة البعيدة مشتاقةٌ لصلاتي أن يبعثَ اللهُ ذاكَ النّهر الذي غَضِبَ اللهُ على أهلها فحرمهم منه فيبستْ أشجارُ الوادي و تَيَتَمَ الأخضرُ فيه و هجرهُ المُصطافونَ الذين كانوا يقصدونهُ من مسافاتٍ بعيدةٍ ، و ( قاسيون ) الشّامخُ شموخَ الشّامِ يبحثُ عن عُيوني تَلمَعُ من مرأى دمشق و هي تلبِسُ ثوبَ نومها لتنام ، و رائِحةُ الياسمينِ الدّمشقي تبكي و ترجوني أنْ أعودَ لشوارعِ و حاراتِ دِمشق لأشُمَّها بالطريقةِ التي تُحبُّها و تغريها و لا أستطيع تلبيتها إلا بالتخيّل .

أنا لا أخافُ من الموتِ ، فالميّتُ لا يخافُ من ميتةٍ أخرى قدْ تُريحهُ ، و لستُ خائفاً من المرض فالمرضُ الأخطرُ يستوطنُ جسدي و روحي و ذاكرتي ، و لكنّني خائفٌ من أن لا أجِدَ الوقتَ الكافي للبكاءِ و النّوحِ و السّهر و .. القصائد ! .

نعم .. أنا بغايةِ الحُزنِ و القَلقِ و الضّيقِ و الألمِ ، و مَرضي خَطيرٌ جِدّاً يا أصدقائي و مُعْدٍ و لا أعرِفُ متى أُشفى مِنهُ ، فابتعدوا عنّي فأنا أخافُ على ضَحِكاتِكمْ و ( غمّازاتكم ) أن تتكسّر ..

ابتعدوا عنّي ، فلا أنا قادرٌ – كما كُنتُ – على فتحِ أحضاني لتبكوا فيها ، و لا أنتم قادرين ( أو مستعدين ) على أنْ تمسحوا دموعي و تواسوا آهاتي .

نعم يا أصدقائي ، فرسولُ الإحساس الذي تعرفونَ أصبحَ اليومَ عَصبياً و مزاجياً أكثرَ من أوّل ، كثيرَ التّفكير و الشّرود ، قليلَ الكلامِ ، حزين النّبراتِ ، مُتعَبَ النّظراتِ ، غَريبٌ بأفعالهِ و بِرَدّاتِ أفعالهِ .

و لذا فأنا أُناشدُ الذين لا يُطيقون هذه الأجواء ( النّائليةَ ) السَوداويةَ التي تمرُّ علي ( و أقصدُ الكلّ تقريباً ! ) أن يبتعِدوا عنّي و عن أجوائي و عن كتاباتي و عن دمعاتي و عن أنّاتي و عن صرخاتي و عن دمائي بأسرع وقتٍ حِرصاً على سلامتهم و .. براءتهم !! ، خاصّةً أنّ حالتي المَرضيةَ مُرَشّحةٌ للمزيدِ من التّدهور لسوءِ تشخيص الأطباءِ لحالتي ، و لعجزِهم و عَجزي أنا معَهم عن إيجاد الدّواءِ الشّافي الذي قدْ يُعيدُني لأكونَ على مقاسِ ِطلباتِ و رغبات الجّميع بالظّبط !! .

أنا مُتعبٌ جدّاً و مُمَزّقٌ و سماواتي غيومُها تُمطرُ نَكَداً و الخريفُ يستوطنُ روحي ، و مع ذلك فحالتي ليسَ ميؤوساً مِنها ، و أنا مُؤمنٌ أنّ الرّبيعَ آتٍ لا محالةَ و إذا لمْ يأتِ فسأحاولُ أنْ أبحثَ عنهُ بعدَ أنْ أفرغَ من انشغالي بالبحثِ عن ألف شيءٍ ضاعَ مني ، و افرغَ من انشغالي بالمحافظةِ على عقلي من الضّياع !! .

يا أحبائي .. أوَدُّ أن أُخبِرَكمْ بالمزيدِ من التّفاصيلِ عن حالتي و أُحذّركم مني أكثر ، و لكنّني مُضطرٌ للتوقف هاهنا لأنّني عَطَسْتُ عَطسَةً كَبيرةً و أخافُ أنْ ............. !!! .

عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :
"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند رأسه ملك موكّل كلما دعا لأخيه بخير ، قال الملك الموكل به :آمين ولك بمثله "

شاركوا

د.محمد عبد المحسن's picture
by
طالب دراسات عليا


يلا سلامات

The Sweet Doctor's picture
The Sweet Doctor
ابق على تواصل مع حكيم!
Google+