تصفح
دخول
تسجيل
نسيتها؟

أساسيّات في الوراثة (2) - الـDNA هو المادة الوراثية، بنية الـDNA


أساسيّات في الوراثة (2) - الـDNA هو المادة الوراثية، بنية الـDNA

تحدثت في الصفحة السابقة عن مفاهيم النمط الظاهري والنمط المورثي ، المورثة والطفرة ، الفرد متخالف اللواقح والفرد متماثل اللواقح ، السيادة التامة والسيادة المشتركة .. كما أوردت أمثلة مباشرة لكل منها.

اليوم سأتكلم عن تجارب المطابقة بين المادة الوراثية Genetic Material والحمض النووي DNA، بالإضافة إلى شرح بسيط عن المجين Genome والصبغي Chromosome.

الصبغي: إن الصبغي بنية موجودة في كل نواة، ويحوي مصفوفة من المورثات المنظمة عدداً وترتيباً، ولهذا فإن كل مورثة من مورثات الصبغي لا بد أن تكون موجودة في مكانها الصحيح،المخصص لها، والذي يدعى بالموضع المورثي Gene Locus.


الصبغيات تحت المجهر الالكتروني

و حينما تُدرس مورثة ما، فإن أول ما يعرف عنها هو موضعها المورثي على الصبغي الذي يحويها، ثم تتم دراسة أشكالها المختلفة (صنواتها) لمعرفة الأنماط الظاهرية الناتجة عن تلك المورثة، ثم تدرس العلاقة بين الصنوات من أجل التعبير عن المورثة.

ومن خلال دراستنا لصفات الإنسان مثلاً، تبين لنا أن المورثات الموجودة على صبغي معين تنتقل إلى الأبناء بنفس أمكنتها وبنفس ترتيبها مما ينقض قانون ماندل الأول "قانون استقلال الصفات" والذي ينص على أن كل مورثة هي كائن مستقل بحد ذاته، حيث وُجدَ فيما بعد أن المورثات على كل صبغي هي مجموعة مرتبطة ببعضها تنتقل بذات الترتيب إلى الأنسال.

و هنا، لا بدَّ من الإشارة إلى مفهوم التأشيب (إعادة التشكيل) Recombination، وهو عملية تعني انفصال المورثات عن بعضها في الحمض النووي وتناثرها ثم إعادة توضعها في الحمض النووي بترتيب يخالف ترتيبها الأساسي وذلك لهدف معيّن ووفق آلية محددة.


التأشيب

يمثل التأشيب الطريقة الوحيدة لتغيير ترتيب المورثات، ولكن ضمن شروط معينة وعمليات آنية مؤقتة لا تغيِّر من ترتيب المورثات على الصبغي الحامل لها بشكل دائم.

إن إعادة التشكيل تلك لا تحدث بنفس التواتر (النسبة) عند كل الكائنات الحية، وإنما تزداد احتمالية (أو بالأحرى وجوب) حدوثها بزيادة عدد الأشكال الناتجة عن التكاثر.

بمعنى آخر، في حالة الفيروسات مثلاً، فإعادة التشكيل المورثي شائعة جداً، حيث لا يمكن الوقوف في وجه بعض الأنواع الفيروسية لكثرة تشكيلاتها المورثية.و ذلك بالطبع سببه إعادة التشكيل.
أما عند الإنسان، فإعادة التشكيل عملية نادرة جداً تحدث لأسباب معينة (سنأتي لذكرها لاحقاً)، وذلك لأن عدد الأنسال لفرد معين من البشر قليل جداً مقارنةً بأنسال فيروس ما.

المجين (الجينوم) Genome:
وهو عبارة عن كل ما يحويه الكائن الحي من مورثات متواجدة صبغيات الكائن الحي.
يمكن اعتبار المجين -من وجهة نظري- سلسلة طويلة من المورثات، وهذه السلسلة مقسمة إلى عدة سلاسل صغيرة تلتف كل منها لتشكل "صبغي".

إن أول تعريف للمورثة -كوحدة فاعلة- كان عند اكتشاف بعض المورثات التي تقوم بالتعبير عن ذاتها من خلال إعطاء الأوامر والإشراف على عملية صنع البروتين.

حيث أنَّ الاختلاف بين المورثة (كجزء من حمض نووي)، وبين البروتين (كمجموعة حموض أمينية) يؤكد لنا بأن المورثة لا يمكن أن تتحول إلى بروتين! وإنما هي تشرف على عملية تشكيل البروتين من خلال القيام بالترميز Coding.

إن كلَّ ذلك، بالإضافة للدراسات الكثيرة التي أُجريت، ساهم في اكتشاف كل تفاصيل الجهاز العظيم الذي يمتلكه كلٌّ منا والذي يقوم بالإشراف على كل عمليات الجسم الحيوية من خلال الكثير الكثير من الرموز (المورثات).

سأورد هنا تلخيصاً بسيطاً لما يهمنا (مبدئياً) عن "الصبغيات" و"المورثات" :
لكل فصيلة من الكائنات الحية عدد محدد من الصبغيات يكون موجوداً في كل خلية من خلايا أي فرد (طبيعي) من أفراد تلك الفصيلة.

وفي الكائنات الراقية، تكون الصبغيات تلك موجودة بشكل مضاعف، أي أن كل صبغي موجود منه نسختان لدى الفرد الواحد، إحدى النسختين من الأب والثانية من الأم (الأب الآخر).
تحوي الصبغيات على الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين DNA والذي هو عبارة عن كثير من المورثات المتسلسلة التي تعبر عن نفسها من خلال فرض المعلومات التي تمثلها على العضيات الصانعة للبروتين وبالتالي الإشراف على صناعة البروتين في الخلايا.
ويتم ذلك من خلال نسخ ما يسمى بالحمض النووي الريبي RNA عن المورثة (الموجودة في النواة) وهجرته (أي الـ RNA) إلى السيتوبلازما كسفير عن المورثة ليشرف على عملية تركيب البروتين في السيتوبلازما.


تركيب البروتين: من المورثة إلى الـRNA استنساخاً،و إلى البروتين ترجمةً

ملاحظة: لا تشرف "كل" المورثات في الحمض النووي منقوص الأكسجين DNA على تركيب البروتين، وإنما هناك بعض المورثات التي لها وظائف أخرى تختلف أو تشابه الإشراف على عملية تركيب البروتين.

____________

أعزائي، إن كل تلك المعلومات لم تأتِ من فراغ، وإنما هي حصيلة العديد والعديد من التجارب التي أجريت على كل عضيات الأرض، من الفيروسات حتى الإنسان. وسأورد الآن (و في الحلقة القادمة) سلسلةً من التجارب التي قادت بالعالم إلى اكتشاف ماهيّة المادة الوراثية وآلية عملها:

1- تجربة التحول الجرثومي - الـDNA هو المادة الوراثية في الجراثيم:
نقطة البداية، عام 1928، العديد من التجارب أجريت على الجراثيم (أصغر الكائنات المكتشفة حينها)، والتي أوصلت العلماء إلى معرفة ماهيّة المادة الوراثية، أي ماهيّة المادة المشتركة بين أفراد السلالة الواحدة، ماهيّة المادة التي تنتقل من الأب الأبناء محافظةً على الشكل العام للفرد.
هل هي بروتين، سكر، دسم، شحوم،....، أم حمض؟

من خلال تجربة التحول Transformation الجرثومي على جرثومة المكورة الرئوية Pneumococcus والتي تملك نمطين مختلفين هما:
النمط الأول الذي يدعى النمط S وهو النمط المُمْرض (المميت) Virulent، والذي يملك محفظة، وهو أملس.
النمط الثاني الذي يدعى النمط R وهو النمط الغير ممرض Avirulent، والذي لا يملك محفظة، وهو خشن.

إن ما يبدو لنا، هو أن وجود المحفظة هو سبب إمراضية النمط S، ولكن الحقيقة غير ذلك.حيث أن النمطين S وR ممرضان على حد سواء، فبنيتهما الداخلية متماثلة، إلا أن وجود المحفظة في النمط S يمثل حماية لهذا النمط من هجوم الخلايا الدفاعية في الجسم المُعْتَدَى عليه.
و بذلك:
النمط S: ممرض، ويملك محفظة، إذاً هو محمي، أي أنه ممرض (أي يستطيع التأثير).
النمط R: ممرض، لا يملك محفظة، إذاًَ هو عير محمي، أي أنه غير ممرض (لا يستطيع التأثير).

كيف أُجريت التجربة؟
حُقن فأر بجرثوم المكورة الرئوية حي من النمط S فمات.

حُقن فأر بجرثوم المكورة الرئوية حي من النمط R فلم يحدث له شيء.

حُقن فأر بجرثوم المكورة الرئوية ميت من النمط S فلم يحدث له شيء.

حُقن فأر بجرثوم المكورة الرئوية ميت من النمط S وجرثوم حي R فمات الفأر.و السؤال:ما الذي حدث في هذه الحالة ؟

إن ما حدث بسيط للغاية، فهناك مورثة (ولنقل أنها المورثة S) يملكها النمط S، وتعبر عن ذاتها بإعطاء الأوامر لتشكيل المحفظة.
أمّا النمط R فلا يملك هذه المورثة وبالتالي فهو لا يملك المحفظة التي تحميه، ولما حقنّا النمط S ميتاً والنمط R حيّاً فإن المورثة S (S Gene) انتقلت من الجرثوم S إلى الجرثوم R الحي وانضمت إلى مجينه وعبرت عن ذاتها بتشكيل المحفظة.
و بالتالي فإنَّ النمط R تحوّل إلى النمط S، وذلك من خلال انتقال جزء من المادة الوراثية "هو ذاته جزء من الحمض النووي" من النمط S إلى النمط R.


التحول الجرثومي

إن آلية التكاثر في بعض أنواع الجراثيم، تعتمد على انتقال المادة الوراثية من جرثوم "معطي" إلى جرثوم "آخذ" و بالتالي تتغير صفات الجرثوم الآخذ نتيجة انتقال مورثات لم يم يكن يملكها إليه.


التكاثر في بعض الأنواع الجرثومية

____________

2- تجربة الوسم بالكبريت والفوسفور المشعَّين – الـDNA (أو الـRNA) هو المادة الوراثية لدى الفيروسات:
في 1952، تم إجراء تجارب على الفيروس T2 ، الذي يهاجم جراثيم إشريشيا كولي E.Coli.


E.Coli

حيث قام العديد من العلماء بتجربة غرضها إثبات أن الـDNA هو المادة الوراثية في الفيروس، وأن الغلاف البروتيني ليس هو المادة الوراثية.

إن آلية اعتداء الفيروس T2 على الجرثوم تتمثل بإدخال الفيروس لبعض عناصره داخل الجرثوم، وترك بعضها الآخر خارج الجرثوم.
هذه المواد هي التي تعطي الأوامر للجرثوم بتقديم كل المواد الأولية لصنع فيروسات جديدة من ذات النوع، وهي ذاتها المواد التي تحمل المادة الوراثية التي تعطي الفيروس الجديد صفات الفيروس الأب نفسها.
وبعد الاعتداء بزمن تبدأ فيروسات T2 بالخروج من جسم الجرثوم وقد استغلت كل مكوناته في صنع نفسها.

قام العلماء خلال هذه التجربة بوسم الفيروس T2 بواسطة الكبريت والفوسفور المشعّين، حيث أن الكبريت المشع S 35 يسم الغلاف البروتيني للفيروس، والفوسفور المشع P 32 يسم الحمض النووي DNA.
يُترك الفيروس T2 (الموسوم) ليهاجم أحد الجراثيم من النمط E.Coli، وبعد الانتظار، يفحص الجرثوم فنجده موسوماً بالفوسفور المشع p 32، كما أن الأفراد الفيروسية الجديدة موسومة بالفوسفور المشع أيضاً، دون وجود أي أثر للكبريت المشع لا في الجرثوم ولا في الأفراد الفيروسية الجديدة.


الوسم بالكبريت و الفوسفور المشعّين

الاستنتاج: بما أن الفيروس منح المادة الوراثية للجرثوم، وبما أنه منح الحمض النووي له فإن الحمض النووي DNA هو المادة الوراثية دون أدنى شك.

الجدير بالذكر -هنا- أن الـDNA ليس المادة الوراثية لكل الأنواع الفيروسية، وإنما الـRNA هو المادة الوراثية لبعضها دون معرفة سبب لذلك التميّز.

____________

3- تجربة صنع الثيميدين كيناز – الـDNA هو المادة الوراثية في الحيوانات:
كما نعلم، أو ربما لا نعلم، أن الخلايا الناتجة عن الانقسام حديثاً، هي خلايا في طور النمو، وتحتاج لصنع واستيراد العديد من المواد الأولية كي تصبح بحجم واستطاعة الخلية الأم، وبالتالي فهي بحاجة للقيام بعديد من العمليات الحيوية التي يكون الفتيل الصاعق لها وجود المورثات التي تعطي الأوامر للبدء بهذه العمليات.


خلية تنقسم

إذاً، فغياب مورثة مسؤولة عن إعطاء الأمر ببدء عملية حيوية (هامّة) ما، سيؤدي إلى عدم حدوث تلك العملية، وبالتالي قد يؤدي إلى موت الخلية ربما.

إن المورثة TK مثلاً، هي مورثة حيوانيّة مسؤولة عن الإشراف على القيام بعملية تشكيل الثيميدين كيناز Thymidine Kinase الضروري لحياة الخلية، وغياب المورثة TK سيؤدي حتماً إلى غياب Thymidine Kinase وبالتالي إلى موت الخلية.
وعند إضافة مورثة TK للكائن الفاقد لها، بدأ يصنع الثيميدين كيناز وبالتالي لم يمت!

إن هذه التجربة، و غيرها من التجارب، وضحت أن الـDNA هو الناظم الأول لكل العمليات الحيوية في جسم أي كائن حي، وأنه هو المادة الوراثية التي تنتقل من الأب الأبناء والذي لولا وجوده (وانتقاله) لما استمر نسل أي كائن حي، وأن أي نقص في تلك المادة الوراثية لدى أي كائن سيؤدي إلى غياب أحد العمليات الحيوية الضرورية لحياته، و بالتالي قد يؤدي إلى موته.

تقودنا عملية زرع المورثة TK إلى عمليات العلاج الوراثي Gene Therapy التي تعتمد بشكل رئيسي على تعويض مورثات ناقصة عبر زرعها، أو استبدال مورثات تعطي صفات سيئة بمورثات تعطي صفات أفضل لتحسين النسل.

المراجع:
Genes VIII For Benjamin Lewin

Color Atlas Of Genetics (2nd Edition) For Eberhard Passarge And Jürgen Wirth

ابق على تواصل مع حكيم!
Google+